ملفات وتقارير

الخميس - 30 يوليو 2020 - الساعة 03:53 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى برس/ خاص/ استطلاع| عبداللطيف سالمين:


بينما الجميع يتأهب استعداداً لعيد الاضحى، اليوم الذي يعبر فيه الناس عن فرحتهم بملابسهم الجديدة، وتعم أجواء المرح.. هناك من يبكي وحيداً في منزله.. أب أعيته الحيلة عن إيجاد طريقة لتوفير كسوة العيد لاولاده، وأم تندب حظها الذي أوقع عائلتها في الفقر.. هكذا يستقبل الفقراء العيد في عدن.

لحظات الاستعداد للعيد تمر بشكل مختلف على أولئك الذين فضلوا التعفف وأنفوا عن مد يدهم للغير، تمر بطيئة رتيبة، مملوءة بالانكسار وانهزام يصعب على الكلمات وصفه. تمر ثقيلة وتدهس معها قلوب الأطفال الذين هم بأمس الحاجة للحظات الفرح. وعوضاً عن ذلك يشعر الواحد منهم بمرارة النقص والذل، يهرع إلى أبيه -كلما عاد مساءً للمنزل بيدين فارغتين- يفتش بعينه وهو يلتفت يمنة ويسرة فلا يرى إلا الخيبة واقفة أمامه، يعود لفراشه مصطحباً معه أحلاما لم تكن يوماً سوى حق من حقوقهم.. حق الفرحة بالعيد بات مناسبة لتعميق الجراح وفتح أبواب الهم والغم على مصراعيها.

> تذمر المواطنين من ارتفاع أسعار الملابس

مساء يوم الاثنين 27 يوليو، من عامنا هذا، المارة يتوافدون على الأسواق بغزارة، القلق حاضرٌ على وجوهِ الجميع، الشوارع شبه ممتلئة، في آخر الزقاق يفترش "الحاج أحمد" جزءاً من رصيف "شارع الحب" في مدينة الشيخ عثمان، بجانبه تقف سيدة يبدو عليها أنها في العقد الرابع من عمرها وتمسك بيديها طفلة لم تكمل العشرة أعوام بعد، وقفت من بعيد أراقب وهي تحاول بيأس شديد إقناع البائع، أن يعفيها عن بقية المبلغ الذي يطالب به كقيمة للثوب الذي تنوي شراءه لطفلتها، وبلا مبالاة يخبرها بلهجة صارمة "معك خراج وإلا الله يفتح عليك". كنت قد اقتربت بالقدر الكافي كي أسمع هذه العبارة وأرى وقعها على تلك السيدة، التي بالكاد تحاول لملمة نفسها وإعادة الثوب لمكانه، استاذنتها بالحديث وسألتها: "لمَ لا تبحثين عن بائع آخر قد تجدين عنده شيئا أفضل بسعر مناسب".

التفتت ناحيتي ورمقتني بنظرة غاضبة وحزينة: "درت السوق لما وجعوني رجولي، الناس جننت، أسعار خيالية على ثياب عادية جدا، وما عاد في حد حتى يبايعك، ما معي إلا أروح واصبن ثياب العيد اللي راح".

تأوهت، وقالت بكل كبرياء وهي تغادر: "العيد عيد العافية يا ابني، والله كريم".

ذهبت للمشي في أروقة السوق، استطلع عن الأسعار، ذهلت من مدى تغيُر الحال الذي باتت تعيشه المدينة مجبرة، أبجدية الباعة المتجولة ممسوخة بالكاد أفهمها، الجميع ينبسُ بالهراء، أحاديث سياسية تتخلل عملية البيع والشراء، نفس العبارات الفارغة المملة يهزج بها الباعة في الثانية آلاف المرات حتى تشعر بالاختناق.

وفي جولتي تلك في أسواق الشيخ عثمان، التقيت بعدد من المواطنين الذين أبدوا امتعاضهم من ارتفاع أسعار الملابس بشكلٍ ملحوظ.

تقول إحدى المواطنات، إنها "اضطرت لشراء ملابس لطفلتها بثمن 30 ألف ريال، بينما توقعت ألا يتجاوز ثمنها النصف نتيجة ارتفاع الأسعار داخل المحال التجارية، مؤكدة أن هناك مبالغة في قيمة ملابس الأطفال."

وبينت، أن معظم المحال التي تعرض الملابس المميزة، ترفع أسعارها دون استثناء، وهذه الأسعار لم تكن مرتفعة بهذه الصورة قبل بداية موسم عيد الأضحى، متهمةً التجار برفع الأسعار بصورة متعمدة، بهدف تحقيق أكبر هوامش من الربح.

> الغلاء يسلب الأطفال الفرح بملابس العيد

ارتفاع الأسعار يكاد يكون عاماً وشاملاً لجميع السلع، ولكن أسعار الملابس، لا سيما ألبسة الأطفال، قصتها مختلفة، حيث إن أسعارها أقرب إلى الخيال، والمؤكد أن لا أحد يشتري سوى المضطر هذا العام، حيث أكد جميع من استطلعت رأيهم أن عملية الشراء لا تتم في حال وجود إمكانية للتأجيل أو الإلغاء، لكن في حال كان لا بد منه، يضطرون للشراء متناسين ما كان يعرف بملابس العيد الجديدة، وقد أكد بعضهم أنهم لجأوا إلى اقتراض المال بهدف شراء ملابس لأبنائهم الذين ليس لديهم ملابس لهذا العيد.

أثناء جولتي كنت أفتشُ في وجوهِ الأطفال -الذين يمشون بجوار أهاليهم- عن بسمة وردية، علها تدبُ الحياة في أوصالي البائسة، لكن كدت أجن من هولِ الفاجعة، براءة الأطفال تكاد تكونُ معدومة، ملامحهم تتقلبُ ببؤس شديد يملاؤهُ الغضب.

> الأسواق الشعبية تخلت عن عادتها!

وكما هو متعارف عليه، يتزايد إقبال المواطنين، خاصة ممن لا يملكون القُدرة المالية، على شراء ملابس أولادهم من الأسواق الشعبية، التي تشهد ازدحاماً خلال تلك الأيام مع اقترب عيد الأضحى، لذا قررت الذهاب هناك ومعاينة الأسعار.

مررتُ بجانبِ الأسواق الشعبية، تنفستُ الصعداء، ضننتُ أنني سأسمع تلك الأحاديث العدنية الجميلة وأكحل عيني بوجوه المسنين الباسمة، لكن سرعان ماخاب ظني، لا شيء يوحي أنهُ يوماً كانت هناك حياةٌ مثل ماعهدناها، أصوات أنين الشحادة تكاد تخترق طبلة الأذن، ريحة مياه الصرف الصحي تدمع العين وتصيبك بالدوار، لا تستطيع القفز لتخطي تلك البحار السوداء التي تتوشحُ الأراضي التي كانت يوماً مقدسة بالنسبة لفئةٍ كثيرة من الشعب البسيط.

منحتني جولتي في الأسواق بؤساً يكفيني عن الخروج لها لأشهر، مررتُ بطيفِ الذكريات الجميلة برهة من الزمن رفقة مقهى الشجرة لكن سرعان ما صفعني الواقع المرير حتى كدتُ أصرخ: "من أنتم... من أنتم".

أثناء ذلك كنت قد وصلت إلى سوق "الشرطة مول" وهو عبارة عن محلات تجارية استحدثت مؤخرا بعد الحرب على خلفية مبنى الشرطة السابق -المبنى التاريخي الذي كان قبل ذلك يعد من أقدم الإذاعات في عدن- وبجانب تلك المحلات يفترش الباعة أرضية الشارع بأكمله، بالكاد تجد موضعا لقدمك، وكي تعبر تحتاج لمكاتفة العديد من الجثث المتحركة، استجمعت أنفاسي وبدأت بمعاينة الأسعار بداية من الباعة في الشارع، الأسعار باهظة الثمن، تحتاج لأكثر من عشرين ألف ريال كي تشتري بدلة شبابية واحدة، بالرغم من أن الملابس هناك رديئة معرضة للتمزق جراء مكوثها مكشوفة ومعرضة للشمس طيلة اليوم.

دخلت أحد المحلات، الملابس المعروضة عادية جدا، وليست بتلك الجودة كي يطالب أصحابها بكل تلك المبالغ الجنونية والتي تفوق ما وجدته بالخارج.

أوقفت أحد الشباب وسألته عن رأيه تجاه أسعار الملابس في هذا الموسم؟ أجابني مازحا بلهجة مصرية تحاكي اغنية ام كلثوم "عيد ايه اللي انت جاي تقول عليه".

ضحكت بدوري وعدت لأساله عما ابتاعه، اخبرني حينها بحسرة: "بخمسين ألف ريال الذي عملت به شهر طارت مني عشان بدلتين وعاده الحاصل من اللي تمشي بها حالك".

دخلت محلاً آخر، وبعد شدة وعناء التفت لي البائع، هذا موسمهم يصبح الواحد منهم كأنه الدولار بقية العام، العملة الصعبة التي بالكاد تلمحها في عدن. سألته عن الأسعار ووجدت أن البضاعة ذاتها في المحل الآخر ولكن بفارق سعر أكبر يصل إلى سبعة آلاف ريال!

أخبرته عن ذلك، أجابني بكل ثقة: "ما يستوي ياعم، كل محل وله بضاعته، نحن ما نبيع التقليد، كل شيء عندنا ماركة".

أكدت له تفحصي بدقة لما وجدته وأنها الشيء ذاته، وشرحت له، خبرتي في تمييز نوع البضاعة وجودتها الذي اكتسبته من خلال الشراء المستمر من بعض المحلات المتخصصة ببيع البضاعة الأصلية.

بدا على وجهه الحرج وعاد يبرر لي ويشرح كيف أن فارق العملة تلعب دورا بين محل وآخر، وأن مشكلة تباين الأسعار بين محل وآخر ترتبط بملكية بعض تجار الجملة والمستوردين لمحلات البيع بالمفرق، حيث يقومون أحياناً بالبيع بأسعار أقل من سعر السوق، إضافة إلى عودته للحديث عن اختلاف نوعية البضاعة وجودتها، مضيفا على حديثه هذه المرة ذريعة توفر كميات كبيرة من البضاعة وكيف ان له دورا كبيرا في فارق السعر، وذهب إلى أبعد من ذلك وأشار إلى أن توفر بضائع من أسواق عربية وأجنبية مختلفة إلى جانب البضاعة المحلية رفقة العوامل السابقة يعد عاملا ابرز لاختلاف الأسعار.

> تجار يستغلون المستهلكين ويبيعون ماركات مقلدة

أثناء ذلك قطع حديثنا أحد الشباب الذي كان بجانبنا يتفحص، بدقة في أرجاء المكان باحثا عما يسد به شهيته للشراء، وقال دون مقدمات: لا تصدقهم، يبيعوا لنا البسة مقلدة على أنها صناعة أصلية، لا يوجد عليها ما يدل أنها من صنع تلك الدولة، وأحياناً لا يوجد ما يدل على مكان صناعتها وتباع بذات الأسعار للبضاعة الأصلية".

وانضم للحديث شاب آخر وبنبرة غاضبة تحدث شارحا الوضع وكيف أن غياب أجهزة الرقابة هي المقصرة في القيام بدورها وتحديد الأسعار المناسبة والصحيحة لحماية حقوق المواطنين من الاستغلال والحد من الارتفاع المستمر لها والذي يصل بحسب رأيه إلى أن يقوم بعض التجار بمضاعفة السعر إلى أكثر من خمسة أضعاف الربح الطبيعي، وشرح كيف ان بعض التجار يقومون باستغلال عدد من أصحاب المحلات وهو ما أدى إلى تراجع مبيعات سوق الملابس بشكل عام، وأشار إلى أن المواطن يساعد في رفع الأسعار وخصوصاً خلال فترة الأعياد بسبب تأجيل الشراء إلى وقت محدد غالباً ما يتركز خلال الأسبوع الذي يسبق العيد ما يجعلهم مضطرين للشراء وبأسعار مرتفعة.

تفاعل البائع مع حديثه ويبدو أن كل ما أثار اهتمامه فقط جزئية تراجع المبيعات وكأنه وجد منقذا له في حديث الشاب..

قال والسرور على ملامحه: "شوف الناس اللي تفهم بالبيع كيف، صحيح كلامه، الفترة الحالية تعد من أسوأ فترات الأسواق في عدن، بعد هبوط العملة المحلية أمام الدولار بالإضافة إلى أزمة كورونا، نحن نشتري بضاعتنا بأضعاف السعر الذي كنا نشتريه بها قبل اقل من عام ويأتي المواطن معتقدا انه بامكانه الشراء بأسعار لا تصل حتى لقيمة الشراء، عاد في عقل معاكم ولا كيف؟".

أنهى حديثه معنا بعد أن تأكد أن لا أحد منا ينوي الشراء، وعاد إلى ممارسة هوايته بتفحص الزبائن فور دخولهم المحل باحثا فيهم عن أكثر من يبدو عليه المقدرة على الشراء، كي لا يضيع وقته ويترك البقية للعمال الآخرين.

> بأية حال عدت يا عيد؟

أنهيت جولتي وعدت أدراجي بخطى متثاقلة، أفكر كيف سيكون العيد بالنسبة لمن بالكاد يجد قوت يومه، ويأتي العيد مجدداً يؤكد فقره ويذكره بمقدار عجزه وقلة حيلته، وعوضا عن أن تكون أيام الاستعداد له مملوءة بالفرح، باتت فقط دقائق مريرة ترسم في قلبه مشقة الزمان وصعوبة الحرمان.

ومرت بذهني أبيات المتنبي الخالدة:
"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ"

وأجبت في سري متخيلاً حال الأم وهي مفطورة القلب تلقى أطفالها بمشهد البؤس والحرمان ولا تجد أي حيلة لإضفاء حنانها المكلوم عليهم.

بهزيمة الأب أمام سؤال أطفاله، عاد حاملاً جواباً على هيئة تنهيدة تحطم وترسم الخيبة على الوجوه.

عاد ليمضي رفقة سؤال الطفل: "لما لا أجد شيئاً جديداً أرتديه مثل أصدقائي عوضاً عن ثيابي الرثة المتهالكة؟!". هكذا عاد العيد في عدن على الفقراء، ليس فيه تجديد..