نافذة إنسانية

الخميس - 30 يوليو 2020 - الساعة 07:24 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن/خاص/ مدى برس/ عبداللطيف سالمين:


في جولة مسائية في مديرية خور مكسر، في مدينة عدن، توجه الحاج احمد إلى "ملحمة" الغنم، لشراء أضحية العيد. تبدو على وجهه علامات الترقب والحيرة، وهو يجس الخرفان ويسأل عن ثمنها.

يفصح الحاج عن مكنونه باستحياء "امتلك ميزانية محددة لا استطيع تجاوزها، وهو ما يتركني في موقف صعب وورطة حقيقية نظراً إلى الارتفاع الجنوني في اسعار الاضحية هذا العام ".

يضيف قبل ان يغادر "لا اقدر على تجاهل أضحية العيد التي تنتظرها عائلتي واطفالي بفارغ الصبر".

في الجهة الاخرى.. لا طعم للعيد بدون ذبح الأضحية، يقول شاب في الثلاثينيات من عمره ، كان متوجه لنقطة بيع الأضاحي رفقة وولديه ، موضحا أن السنوات الماضية شهدت ارتفاع الأسعار بطريقة جنونية، خصوصاً في ظل تدهور القدرة الشرائية للعدنيين والظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد"

ويضيف "لكن هذا العام تبدو الاسعار جنونية حيث لم تكفي الثمانون الف لشراء ماشية صغيرة بالكاد تكفي، كل الاسعار. تفوق المائة الف وهذا يعني اكثر مما اتقاضاه من راتب شهري، في عمل متواصل كل يوم لاكثر من 10 ساعات، لايعقل الوضع المعيشي الصعب الذي نعيشه، لايعقل ابدا"


إمكانات مادية شحيحة

في  الجانب الاخر من الشارع بخطى مثقلة يتحرك"منصور"  بجانب الأغنام مع ابنه الصغير، الذي بدت عليه علامات السرور وهو يداعب الخرفان. يقول "منصور"  "في الايام الماضية تعودت أن أصطحب ابني إلى هذا المكان، كونه يحب اللّعب مع المواشي "

مضيفاً بألم "من سوء حظي،لم اتمكن في السنين الاخيرة من شراء أضحية للعيد بسبب إمكاناتي المادية المحدودة والصعبة".


وخلال هذه الفترة من السنة، تنتشر نقاط بيع أضاحي العيد في كل المناطق الشعبية في عدن. ويمثل عيد الأضحى الموسم الأهم لتنشيط المبيعات وتحقيق الكسب  للآلاف من المربين العاملين في قطاع الأغنام بعد تراجع كبير في استهلاك اللحوم الحمراء، لا سيما لحم الضأن في السنين الاخيرة.

وعادة ما يتنافس تُجّار المواشي في الأسواق الشعبية على بيع الأضاحي بأفضل الأسعار، أبرزها سوق "اللحوم " أقدم أسواق الماشية في عدن، لا سيما مع ارتفاع أسعار المواشي هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية.

وقبل أيام من حلول عيد الأضحى، تتحول أسواق بيع المواشي إلى مقصد للمواطنين نظرا لتنوع الأسعار، التي غالبا ما تناسب أبناء الطبقات المتوسطة والدنيا من المجتمع العدني.

داخل سور خشبي شبه متهالك، يعرض التجار بضاعتهم من الماشية الحية بأوزانها المختلفة وأسعارها المتفاوتة، لجذب الزبائن.

وتأتي العجول في المرتبة الأولى من حيث الإقبال، يليها الخراف والماعز ويقول "سعيد صالح"، أحد تجار المواشي في السوق أن شراء الخراف والماعز، شهد عزوفًا من المواطنين هذا العام، مقارنة بالأعوام الماضية، نظرا لارتفاع أسعارها وزيادة نسبة الدهون عن اللحوم بها مقارنة بالعجول.

ويفضل العدنيون الخروف المحلي لما يتمتع به من مميزات بينها جودة المراعي التي يأكل منها مما يجعل طعمه ألذ وأشهى من الخروف المستورد الذي يأكل الأعلاف الصناعية.


-ننتظر ما سيكتبه الله لنا

في زاوية السوق ، يجلجل صوت أحد الأشخاص ويدعى" محمد الشيباني" صائحا: "أحرقتنا هذه الأسعار".

وعندما سألته ما إن كان اشترى أضحية هذا العام، أجاب الرجل ":"لا، لم أشتر، الأسعار خيالية جدا هذا الموسم، ولكن في النهاية ننتظر ما سيكتبه لنا الله سواء اشترينا أم لم نشتري".

ويوضح الشيباني أن الأسعار هذه السنة أغلى كثيرا من السنة الماضية، معتبرا أن التاجر والمواطن كلاهما ضحية، فالأول يقول إن الأضاحي تصل إليه بأسعار غالية، فيما يشتكي المواطن من عدم وجود سيولة كافية.

وليس بعيدا عنه، وقف شاب اخر "، باحثا عن أضحية يناسب سعرها إمكاناته المادية، قائلا "للمدى برس" :"الأسعار غالية جدا ولازلت أبحث عن أضحية رخيصة الثمن

ويجزم  مربي الماشية "سالم ناصر" أن عيد الأضحى يكاد يكون الموسم الوحيد للكسب بالنسبة إلى المربين، مشيراً تراجع المبيعات بقية أشهر السنة.

سبب آخر لارتفاع سعر الأضاحي، أشار إليه "بودي" في حديثه للأناضول، وهو ارتفاع سعر العلف الحيواني في المنطقة.

وعدّد ناصر، صعوبات كبيرة يواجهها المربون، لا سيما الصغار منهم، بسبب ضعف إمكانات التسويق في السوق المحلية، مشيراً إلى أن العدنيين لم تعد لديهم القدرة على اقتناء لحم الضأن. ما يجعل من موسم عيد الأضحى المناسبة الوحيدة لبيع الماشية.


وأوضح أن تربية الأغنام بدفعات كبيرة يتطلب توفير كميات أكبر من الأعلاف يوميا لمدة تزيد عن ستة أشهر، مشيرا إلى أن الخروف المحلي يربى وهو صغير وتزيد مصاريفه في كل عام نظرا لعدم اهتمام السلطات بالثروة الحيوانية.

في المقابل، ينتقد المستهلك ارتفاع أسعار الأضاحي. ويقول المواطنون إنّ أسعار الأضاحي تشهد ارتفاعاً كبيراً في بعض نقاط البيع، حيث تتراوح الى اكثر من 100 الف ريال بالنسبة للمواشي المحلية بينما المستوردة قد تبلغ سعر اقل لا يقل عن ال80 الف ريال نظرا لعدم الطلب عليها .

كل هذا السرد في واقع المواطن "متوسط الدخل" في مدينة عدن ، أما العاملين بالأجر اليومي، ومعدمي الدخل فيعيشون بعيداً عن هذه الشعيرة والفرحة؛ بسبب غياب جهات ساهمت بمساعدتهم في الماضي، حيث كانت الجمعيات الخيرية والمنظمات تقدم نوعاً من المساعدة للأسر الضعيفة والأكثر احتياجا، وقد غابت نتيجة الحرب المتواصلة منذ سنوات،  بالإضافة إلى عدم توفر الأمن في البلاد.

هكذا تتداعى إلى ذهن المواطن العدني أزماته متأثرة بواقعه المحيط؛ يرغب بممارسة طقوسه وفرحته السنوية بالرغم من الجروح الغائرة التي أفقدته روح هذه المناسبة السنوية.


أنشطة موسمية



وترتبط بعيد الأضحى في عدن عدة أنشطة ومهن أخرى موسمية تسهم في تنشيط الحركية، خصوصاً في المناطق الشعبية على غرار باعة العلف وشحذ السكاكين.

تدار ماكينة شحذ السكاكين وتُسمع أصوات الماشية عالية، بأحد أسواق الشيخ عثمان ، إيذانا بقرب موعد جني الفرحة المنتظرة سنويا، بحلول عيد الأضحى المبارك.

وتشهد اماكن شحذ السكاكين  إقبالا كبيرا من قبل مواطنين وجزارين، جاءوا لسن أدوات النحر، قبيل حلول فرحة "الأضحى".

ووفق مشاهدات، تتنوع أحجام السكاكين المعروضة للبيع بعد شحذها أو تلك التي يقوم الصناع بشحذها بمقابل مالي.

وينتشر باعة متجولون على الرصيف وفي الشوارع والأزقة حاملين معدات الذبح املا في من ياتي لهم لحجز موعده لضبح اضحية العيد، كما يزداد ازدحام المواطنين على محلات التوابل والمشروبات الغازية والخضروات والفواكه والحلويات.

وفي مرحلة أخرى، يأتي دور الجزارة لذبح الأضحية وشواء رؤوسها. كل هذه الحركية تجعل من عيد عدن مميزاً، لكن في بعض الأحيان مقلقاً أيضاً بسبب الفضلات التي تتكدس في الأوساط السكنية في درجات حرارة تزيد من الطين بلة وغياب الدور الفعلي لبلديات المدينة.