الخميس - 09 يناير 2020 - الساعة 09:09 م بتوقيت اليمن ،،،
مدى برس/ تقرير خاص:
أينما تولّي وجهك ستصادفهم أمامك، منتشرين فرادى وجماعات، في الشوارع والجولات والحارات، بالجوامع وقاعات الأعراس والمدارس والأسواق... وفي كل مكان.
إنهم المتسولون الفقراء الذين لفظتهم قسوة الحياة وجحيم الحرب والحصار للخروج للتسول في شوارع المدن. وبأعداد كبيرة داخل المدن، ستشاهدهم بمختلف فئاتهم العمرية: أطفالاً ونساءً شباباً ومسنين، ومعاقين.
فشريحة المتسولين في اليمن تتسع كل يوم أكثر. ويحدث ذلك أمام سمع ونظر الجهات المعنية والمنظمات التي لا تملك حتى إحصائية بأعداد هذه الشريحة الكبيرة.. في هذا التقرير سنتطرق إلى جزء بسيط من طرق وأساليب جديدة يستخدمها المتسولون لسد حاجتهم والاستمرار في الحياة.
> 216 متسولاً خلال ثلاث ساعات
مهند المقطري يقول، المتسولون في صنعاء تزايدت أعدادهم خلال سنوات الحرب في العاصمة صنعاء. لا تكاد تقف بأي جولة بأمانة العاصمة حتى يجتمع حولك من 7 إلى 10 شحاتين في كل جولة. ستواجه هذ المشهد المأساوي في الجولات والحارت والأسواق وفي المحلات.
يقول المقطري، خرجت الساعة 9 صباحاً من منزلي ومررت من منطقة نقم ثم شارع تعز مروراً بشارع الستين وصولاً إلى شارع الزبيري. وهناك قلت سأعمل إحصائية لعدد المتسولين.
وأشار أنه رصد خلال 3 ساعات فقط من يمدون أيديهم للمارة في الشوارع 216 متسولاً.
وحذر أنه إذا لم توجد حلول ومعالجات لشريحة المتسولين والفقراء في اليمن، فسيتحولون إلى عصابات للسرق والنهب والتقطع.
> تقبيل الرأس واليد
في قاعة العرس وأنت متكئ تمضغ عشب القات سيمر عليك عدد كبير من الأطفال والمسنين المتسولين حتى انتهاء الزفة.
ليس هذا الجديد بالموضوع بحسب ما يرويه الدكتور عبدالله حسين، يقول "صحيح أننا اعتدنا على مشاهدة المتسولين خلال السنوات السابقة، لكن الجديد في الأمر أن الأطفال المتسولين بالذات بعد أن يناولك ورقة صغيرة مكتوباً عليها حديث، لا أعرف إن كانت صحيحة أو ضعيفة.. كل ما أعرفه أن تلك الأحاديث يستخدمها المتسولون الذين لا يستطيعون التحدث شفوياً مع الآخرين، وكطريقة لاستعطاف الموطنين دينياً لأجل مساعدته.
وأضاف، المتسولون يعرفون أن الأحاديث على تلك الوريقات لم تعد مجدية ومؤثرة كما كانت في السابق عند الموطنين الذين لا يفضلون قراءتها. هذه الطريقة أصبحت روتينية. والمتسولون يعرفون هذا.. لذلك ذهبوا إلى أسلوب جديد أكثر استعطافاً للمواطن، بعد أن يرموا ورقة الأحاديث. يقترب نحو المواطن المخزن بالقاعة ثم يقبل يده، وأحياناً رأسه. وهذه طريقة جديدة ربما وجد المتسولون منها جدوة وتأثيرا لجلب الصدقة.
> التسول ليلاً
محمد فرحان يقطن في صنعاء يروي قصة واجهت زوجته قبل أسبوع في شقته. قال إن امرأة طرقت باب شقته في الثامنة مساءً، وقد ذهبت زوجتي إلى جوار باب الشقة، وقبل أن تفتح باب الشقة سألت سؤالا معتادا يردده الجميع بعد سماعهم لأي طرق لأبواب شققهم. قالت من؟
سمعت صوت امرأة: أني فلانة.. ما عرفتيني؟
ردت زوجته: لا، ما عرفتك. أيش تشتي؟
قالت: أني فلانة صاحبة مبادرة خيرية اسمها كذا وكذا. وقد مررت عليكم سابقا عشان كذا. وكذا.. تذكري؟
ردت: لا، ما ذكرت. ذلحينا ايش تشتي بالضبط ما بافتحلك الباب.
المتسولة: خلاص، نريد منكم المساعدة لأن هناك شخصا توفي في منطقة سواد حنش وهو فقير ونريد منكم تتساعدوا معانا لشراء الكفن وحق الدفن.
يقول محمد: بالفعل لقد مرت هذه المرأة سابقاً قبل أيام في الظهيرة وقد طرقت الباب وقالت إنها صاحبة مبادرة خيرية وتريد مساعدة عشان تساعد فيها الآخرين.
يضيف: لكن في المرة الأخيرة طرقت باب شقتنا في المساء بعد صلاة العشاء. وهذا يثير عدة تساؤلات. أولاً، أن امرأة تمر في المساء غير معتاد لدى سكان العاصمة صنعاء، كانت متسولة أو صاحبة مبادرة كما زعمت. ما الذي أتى بالمرأة ليلاً إلى عندنا في شارع الزبيري، ما دام المتوفى في منطقة سواد حنش كما قالت، وتعتبر المسافة طويلة بين الزبيري ومنطقة سواد حنش.
وأكد أن مثل هؤلاء يمرون علينا بشكل دائم في النهار أما في الليل فهذه طريقة جديدة. واوضح أن بعض المتسولين بدل التسول في الشوارع انتقلوا للتسول في المنازل.
وأشار محمد إلى هناك فقراء محتاجين بالفعل وهناك من مواطنين يستغلون وضع هؤلاء الفقراء للتسول بأسمائهم.
> حق المواصلات
أساليب وطرق كثيرة يستخدمها المتسولون. يسرد هشام عبد الغني قصة أخرى لامرأة أربعينية قال إنها كانت واقفة على الرصيف ثم نادته أثناء عبوره من نفس المكان.
يقول هشام، اقتربت منها وسألتها، ماذا تريدين؟
قالت: حق موصلات توصلها إلى منزلها في منطقة الجراف.
يقول هشام، أنا صدقتها، وناولتها 1000ريال وهي قيمة المشوار. ثم تركتها ومشيت في نفس الحارة. وعلى بُعد حوالى 80 متراً توقفت، ثم استدرت لكي أشاهدها، ما إن كانت لا تزال واقفة هناك. وبالفعل شاهدتها واقفة بنفس المكان مستمرة تنادي للمارة في الحارة وتطلبهم حق المواصلات.
أضاف هشام، عدت إليها مجدداً لمعرفة حقيقة أمرها. اقتربت منها، وسألتها لماذا لم تغادري المكان وتعودي إلى منزلك بالجراف كما زعمتي. أعطيتك 1000 ريال حق المواصلات.
ردت عليه: هكذا أيوه.. تشتيني أرد لك الألف حقك، بردها.
وبحسب هشام، فإن المتسولة حاولت ترجع له الألف، لكنه رفض أخذها.
يقول هشام، فهمت أنها تكذب بأنها ساكنة بالجراف وأنها تريد حق مواصلات. وهذه طريقة جديدة للتسول.. وربما هي بالفعل قد تكون هي محتاجه لإعالة أسرتها وهذا أسلوبها لذلك.
> الفقر والحاجة
ونعرض هنا معاناة بعض المتسولين الذين قابلناهم في الشوارع، وهي الشريحة الأهم في تقريرنا هذا لمعرفة تفاصيل معاناتهم في الميدان.
التقينا في هذه الزيارة عددا من المتسولين وبمختلف أعمارهم. هناك من تحدث لنا والبعض من امتنع.
تقول أم حمدي، إحدى المتسولات، إنها منذ سنوات وهي تعتمد على التسول منذ أن توفي زوجها بحادث مروري.
قالت إنه لم يعد أحد يساعدها في إعالة أسرتها المكونة من أربعة أطفال.
تضيف: لولا الحاجة لما خرجت كل يوم صباحا من منزلي في سعوان والمجيء إلى هذه الجولة بحثا عن صدقة من المواطنين الخيرين.
وأشارت أنها معتمدة على التسول منذ سنوات لأجل إطعام أطفالها الأربعة.
ام حمدي واحدة من حوالى 20 متسولا ومتسوله كانوا يتواجدون في نفس الجولة، أطفال وأمهات ورجال مسنين وفتيات بعمر الشباب ومعاق يقف على الرصيف. أما بقية المتسولين فقد كانوا ينتشرون على جميع المنافذ المحاذية للجولة للتنقل بين السيارات.
> إحصائية تقريبية
وبحسب مختصين اجتماعيين، فإن شريحة المتسولين اتسعت رقعتها أكبر خلال السنوات الخمس. وقدروا أن تصل أعدادهم إلى أكثر من خمسين ألف متسول.
وأرجع المختصون ذلك إلى عديد أسباب منها الحرب والحصار وموجات النزوح وانقطاع الرواتب الموظفين وتفشي البطالة وانقطاع مصادر الدخل.
> تقارير أممية تحذر
وبحسب آخر تقارير أممية عن الوضع باليمن. والتي تشير إلى أن أكثر من 19 مليون يمني يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعيش نحو مليون موظف يعملون في القطاع الإداري العام، بلا رواتب منذ سبتمبر (أيلول) 2016.
وقد أعلنت الأمم المتحدة، مطلع الشهر الماضي، أن نحو 10 ملايين شخص في اليمن أصبحوا على بعد خطوة واحدة من المجاعة، وأنها تبذل قصارى جهدها مع الشركاء لمساعدتهم.
كما نشرت صحيفة «ديلي ميرور» البريطانية مؤخراً، تقريراً من داخل اليمن حول الأوضاع الإنسانية، أكدت فيه «وفاة طفل يمني كل 12 دقيقة، وهو ما يعادل 120 طفلاً يومياً، في مجاعة مدمرة مثل المجاعة التي حدثت في إثيوبيا في عام 1984». وأشار التقرير إلى أن سلع الغذاء الرئيسية مثل اللبن والخبز باتت اليوم توصف عند اليمنيين بأنها «سلع رفاهية».
> غياب الجهات الرقابية
لا يوجد أي دور للجهات المختصة تجاه المتسولين من سنوات. وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد.
وما يؤكد ذلك أن عدم وجود قاعدة بيانات للمتسولين المنتشرين في العاصمة والمدن اليمنية الأخرى يؤكد أنها لم تعد تمارس مهامها.
وكما هو الحال أيضا في هيئة دور الطفولة الآمنة المتخصصة لإيواء الاطفال المتسولين المشردين، التي تقاعست هي الأخرى عن أداء دورها تجاه الأطفال المشردين.. وخلال السنوات الأخيرة لم تقم بضبطهم من الشوارع واحتوائهم وليس لديها أي إحصائية عنهم.
حتى مبنى مشروع مكافحة التسول في العاصمة، والذي يفترض من ضمن مهماته جمع المتسولين الأطفال من جميع شوارع العاصمة وتأهيلهم ورعايتهم.. إلا أنه تم إغلاقه قبل عامين نتيجة شح موارده. ولم يعد يمارس مهامه كما كان في السابق.
> دور المنظمات المفرغ
يتحدث سهيل، وهو ناشط حقوقي، عن دور المنظمات الحقوقية تجاه شريحة المتسولين. وقال لا يوجد أي دور ملحوظ تجاه هذه الشريحة من قبل المنظمات.
وأضاف إن جميع المنظمات الحقوقية تخلت عن هذه الشريحة وذهبت تسخر مهامها في قضايا تراها أهم من معاناة شريحة المتسولين.
وأوضح أن أغلب المنظمات خلال الأشهر الأخيرة تخلت عن دورها وذهبت للعمل والانشغال في معالجة مواضيع بعيدة عن معاناة الفقراء والمتسولين. وأصبح عملها مفرغاً تماماً.