الأحد - 07 فبراير 2021 - الساعة 11:44 م بتوقيت اليمن ،،،
مدى الثقافي/ المحرر:
تمر على اليمنيين ومحبي الطرب العربي الأصيل ذكرى رحيل الفنان محمد مرشد ناجي، الذي ودع الحياة في 7 فبراير 2013 عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد أن أثرى الساحة الفنية اليمنية والعربية بروائع الطرب لأكثر من ستين عاماً، شدا فيها للوطن والإنسان والحب والجمال مستفيداً من عطاء مدينة عدن التي ولد ونشأ فيها ورضع من عالمها الكوني المتنوع.
ولد المرشدي 1929في مُديرية الشيخ عثمان بمحافظة عدن، وتلقى تعليمه في الكتَّاب (المعلامه) على يد الفقيه أحمد الجبلي. وكانت هذه المعلامة في حارة القحم في مدينة الشيخ عثمان، وقد ختم القرآن الكريم في سن مبكرة مما جعل والده يحتفي به وأقام له الحفلات احتفاءً بختمه القرآن في هذه السن المبكرة.
ولد لاب يمني منحدر من منطقة القبيطة محافظة تعز ولأم صومالية وفرعها الصومالي -كما يقال- عريق وأصيل، إذ إنها من قبيلة يقال إن جذورها عربية وتدعى مجيرتين وتنتسب إلى قبائل دارود، القبيلة التي ينتسب إليها الشاعر علي الصومالي مؤلف كلمات أغنية الخبر نفس الخبر اللتي أداها الفنان أصيل أبوبكر.
وقدّم المرشدي أول أغنية له عام 1951، اسمها "هي وقفة"، كلمات الشاعر محمد سعيد جرادة. وقدّم خلال مشواره الفني الحافل بالعطاء طيفاً واسعاً من ألوان الغناء اليمني، وتفرد بأداء خاص ومتميّز في أغانيه، وأدى بتفوّق جميع ألوان الأغنية اليمنية، منها: الحضرمية واليافعية واللحجية والصنعانية، ويعتبره بعض النقاد أكبر مساهم في إخراج الأغنية الصنعانية من نطاقها الضيّق إلى الفضاء العربي، وأول من غنّى الأغنية التهامية.
وساهمت إذاعة عدن التي تأسست عام 1954 في تقديمه للجمهور، ومع منتصف الستينيات تجاوز انتشاره اليمن من خلال مشاركاته الفنية في عدد من دول الخليج العربية. وتعاون مع كثير من الفنانين الخليجيين وغنّى له الكثير من الفنانين، ومن أبرزهم: الفنان محمد عبده والفنان الـسوري فهد بلان.
وكانت الساحة الفنية العدنية في فترتي الخمسينيات والستينيات زاخرة بالعطاء الإبداعي المتميز، حيث انتشرت فيها النوادي والمنتديات الثقافية وكانت عدن قد عرفت ندوة الموسيقى العدنية التي أسسها الفنان الراحل خليل محمد خليل، وكذلك الرابطة الموسيقية التي أسسها الشاعر الراحل محمد عبده غانم، وجمعية مؤلفي الأغاني، ناهيك عن الصحافة والجمعيات والنقابات، وفي هذا المناخ والبيئة الثقافية الثرية انضم المرشدي إلى ندوة الموسيقى العدنية عام 1951، بواسطة صديقه وجاره النقابي والشاعر الراحل إدريس أحمد حنبلة.
ويرى الباحث الفني يحيى قاسم سهل أن هناك "ترابطاً وجدانياً بين مدينة الشيخ عثمان وابنها المرشدي، الأمر الذي شجعه على الخوض في ميدان الأغنية الوطنية".
يضيف "وصفت مدينة الشيخ عثمان بـ(مدينة القرى وقرية المدن)؛ ففيها عاش كل أبناء اليمن، سواء أبناء المحميات، أو أبناء المملكة المتوكلية اليمنية قبل الاستقلال، بدليل أسماء الحارات، مثل حارة البدو، وحارة القريشة، وحارة دبع، وكود بيحان، وأسماء الأعيان بيت الأصنج – والمقطري. وفي هذه الأجواء ولد المرشدي، وتعلم في مدارس بها طلاب من جميع أنحاء اليمن، لذلك أجاد اللهجات اليمنية، وساعده ذلك في غناء الألحان الغنائية المختلفة، إلا أن الأهم من ذلك تمثل في الدفع به ليكون أحد أبرز من قدموا الأغنية الوطنية، التي كانت بمثابة أيقونة للفداء والتضحية وملهمة للثورة اليمنية في سبتمبر (أيلول) 1962 ضد الحكم الإمامي شمال اليمن، وأكتوبر (تشرين الأول) 1963 ضد الاحتلال البريطاني جنوباً".
ويتابع سهيل في لقاء صحفي معه "يكاد يجمع الباحثون في المشهد الغنائي باليمن على أن الأغنية الوطنية كانت بمثابة الوقود للثورة قبل مرحلة الكفاح المسلح جنوب البلاد، ومن روادها محمد مرشد ناجي، الذي حاز قصب السبق فيها، وبرزت أول أغنية وطنية لعبت دوراً بارزاً في حياة الشعب اليمني، وقام بتلحينها وأدائها المرشدي عام 1954، وجاء في مطلعها (أخي كبلوني وغل لساني واتهموني، بأني تعاليت في عفتي ووزعت روحي)".
ويوضح سهل أن "أغنية (أنا الشعب) تعد أحد أبرز أعماله التي لا تزال عالقة في الذاكرة الشعبية إلى جانب (يا طير يا رمادي، وشعبي ثار اليوم، وهوات يدك)، كما أن أغانيه الوطنية لم تتوقف عند مرحلة ما قبل الثورة، بل استمرت بعد الاستقلال بعدد من الأغاني، أهمها أغنيتا (نشوان) للشاعر سلطان الصريمي، و(مخلف صعيب) للرئيس عبدالفتاح اسماعيل.
الأغنية العاطفية
إذا كان المرشدي أحد رواد الأغنية الوطنية في اليمن، بحسب سهل، فإن أغانيه العاطفية، أبرزها أغنية "وقفة" من كلمات الشاعر محمد سعيد جرادة، وهي أول ألحانه، وحقاً كان فيها فارساً، سواء في اللحن أو الأداء، ولا يختلف اثنان على ذلك، ومثلت هذه الأغنية ميلاد المرشدي الملحن الفنان، ومطلعها "هي وقفة لي، لست أنسى ذكرها، أنا والحبيب"، ولحنها عام 1951. ثم توالت الأغاني العاطفية التي يصعب حصرها، التي كان متميزاً متفرداً فيها، وله بصمته الخاصة، حتى في أغنية "مش مصدق" من كلمات الشاعر الراحل لطفي أمان، التي غناها أيضاً الفنان الراحل أحمد قاسم، أو أغنية "أراك طروباً"، و"يا عاشقين"، و"على أمسيري".
والخلاصة كان المرشدي فناناً حقيقياً، سواء في أغانيه الوطنية أو العاطفية، لأنه كان يسقي الأغنية من روحه ودمه، فكانت لها خصوصيتها، ولم يستطع أحد تقليده.
وإلى جانب كونه فنانا عظيما، فالمرشدي أيضا أديب وله مؤلف في فن الموشح اليمني. وهو كذلك سياسي وكان آخر منصب له عضوا في مجلس النواب اليمني.