مدى الثقافي/ فتحية دبش، تونس-فرنسا*:
تصدير: "من الشاهد الجيد؟ هو ذلك القادر على التسلل بما يكفي داخل التفاصيل ليضفي على الأحداث التي ينقلها لونا ما" البحث عن ديريدا، ثلاث سنوات مع ديريدا، بونوا بيترز، ترجمه للعربية فتحية دبش. ص 48، ط1،دار شهريار- البصرة-العراق2020
مقدمة:
انشغل النقد كثيرا بنظريات الأجناس الأدبية والأنواع الأدبية منذ القدم. فكانت تقسم الكلام إلى نثر وشعر مثلا في النقد الأدبي العربي القديم. ثم تطورت إلى أجناس كبرى تنضوي تحتها جملة من الأنواع، وهو مشغل ضروري ومنهجي للتعامل مع النصوص. ولا تتسع هذه الورقة لذكر الأعمال التي خصصت للغرض. وسأكتفي بذكر كتاب نظرية الأجناس الأدبية دراسات في التناص والكتابة والنقد لتودوروف.
وبما أن الأثر الذي بين أيدينا يطرح سؤال التجنيس، فقد قادتني قراءته إلى مفاهيم النص والأجناس الأدبية وتخيرت أن أحتفظ بمصطلح الكتاب أو النص على أساس قول تودوروف: "ينبغي أن نسجل أولا أن عملا ما لا ينتمي بالضرورة إلى جنس ما. لأن كل حقبة يهيمن عليها نسق من الأجناس، لا يغطي قسرا كل الأعمال من جهة، من جهة أخرى فإن خرقا جزئيا للجنس يكاد يكون مطلوبا" ص14، المرجع المذكور أعلاه لتودوروف ترجمة د. عبد الرحمان بوعلي، ط1، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع 2016.
فمنسي: إنسان نادر على طريقته هو نص المتاهات بنظري حيث يلتبس للحضور فيه بالغياب أجناسيا وثيميا وهو مشغل ورقتي النقدية.
الحضور والغياب الاجناسي:
الرواية واللا رواية:
حين البحث عن ملامح الرواية في النص الماثل بين أيدينا نجد أن الطيب صالح نسجه نسجا روائيا احترم فيه خصوصيات الرواية سردا وتفضيئا وتطورا معولا في ذلك على تقانة الاسترجاع والاستباق التي توحي بالتحولات في الأحداث والشخوص وفي الأمكنة والأزمنة. فيستهله بموت منسي ومن ثمة ينخرط في السرد عبر الذاكرة والتذكر والتداعي. فالوقت كما جاء في الاستهلال: "في مثل هذا الوقت من العام الماضي" كما يقول في ص ٩ من الكتاب، "توفي رجل لم يكن مهما بموازين الدنيا ولكنه كان مهما في عرف ناس قليلين مثلي". فالسارد يدخل منطقة القول بفعل عامل التداعي واستدعاء اللحظة الراهنة (التذكر) للحظة الراهن ( الكتابة) وللحظة سابقة (الموت) ستستدعي هي أيضا لحظات سابقة عليها (حياة منسي). كأن الطيب صالح يستدعي النسيان ويريد أن يقيم للنسيان حضورا في الذاكرة أو للذاكرة حضورا في النسيان. وبالتالي يعمد إلى التداعي لبناء حياة منسي وشخصيته كما يراها الطيب صالح وكما يتلقاها المتلقي.
غير أن ما بين الاستهلال والنهاية يوهمنا الطيب صالح بالرواية فينخرط في السرد ولكنه في هذا السرد يتشظى كثيرا فيخرج من حقل الرواية ويدخل إلى الحقل السيري وفاء للعنوان الذي اختاره. فتصبح شخصية منسي هي الشخصية الموضوع لهذه السيرة. إذ يقف عند مفاصل حياة منسي نشأته وهجرته وحياته المليئة بالطرافة. ويرسم لنا شخصية لا نموذجية ورغم أنها واقعية إلا أنها تشارف على التخييل. كل ذلك يقع من العنوان موقع الشرح لتعليل الحكم للشخصية بالندرة. وبذلك ينزاح النص عن نوع الرواية ليدخل نوع السيرة الغيرية.
فإذا كنا نتعامل مع النص تعامل الرواية نجد أنه لم يف لاشتراطات الرواية من تعقيد وتحولات كبرى. وأن الكاتب يطعم نصه ببعض المقاطع الشعرية والأحداث المتصلة بأدب الرحلة وبعض الأحداث النادرة وبالتالي يخرج بنا من إطار إلى إطار وكأننا في لعبة الدمى الروسية. وهو ما يبعد نصنا عن الرواية ويدخل به في إطار الشهادة التي يقوم عليها النص السيرغيري كما يراها بونوا بيترز في كتابه ثلاث سنوات مع ديريدا رغم عدم توفر الشهادات والحوارات والنصوص الخارج نصية التي تقوم عليها السيرة الغيرية إذا استثنينا شهادة الصديقة الباريسية.
السيرغيري والسيرذاتي:
ينهض نص منسي: إنسان نادر على طريقته على جملة من المعلومات حول الشخصية على اعتبار أن السيرة الغيرية تقوم على ميثاق الحقيقة وصحة المعلومات مع احترام نسق معين من الشهادات التي تسبر لا فقط ملامح الشخصية الموضوع وإنما أيضا سيرة أفعالها وسلوكياتها وما قدمته للمجموعة بصفة عامة أو على الأقل ما يجعل سيرتها عملا مهما يستحق التوثيق. ولكن النص يقتصر هنا على شهادة واحدة تقريبا هي شهادة الطيب صالح الذي يرى إنه الأب الروحي لمنسي.
وهذه الصفة يوردها الطيب صالح بين مفاصل النص كثيرا جدا، وكأنه بذلك يستعيد منسي من الغياب. فيحضره على شكل حميم من جهة ومن جهة أخرى يكسر بها المؤلف ميثاق الحياد في كتابة السيرة الغيرية التي يكون منطلقها عادة تأريخ الشخصية واستحضارها وإعطائها وجودا آخر على أنقاض الموت. غير أن تلك العبارة تنحو نحو قتل الحياد أيضا وبشكل ما وهو ما يقرب الشخصية موضوع السيرة من شخصية البطل في الرواية حيث يمنحها الكاتب للقارئ ملفوفة برداء من الاستعادة نحو الذات فيتوحد بها القارئ، أو يتعاطف معها فينحاز نحوها بكل ثقله وبقطع النظر عن الحكم الايطيقي عليها أو لها.
فالنص إذن برمته يحضر منسي من الغياب فيمنح القارئ كل مفاتيح السيرة الغيرية وفي نفس الوقت يحضر الكاتب فيمنح القارئ كل مفاتيح السيرة الذاتية. فالكاتب لا يغيب بحضور الشخصية الموضوع -سيري، بل يحضر كثيرا بحضورها وبغيابها في الحين نفسه. فالطيب صالح لا يقوم فقط بمهمة الحكي والسرد والشهادة وإنما يتحول بين فصل وآخر وبين حدث وآخر إلى شخصية من شخوص العمل، بل يراوغ الغياب بالحضور ويراوغ السيرة الغيرية بالسيرة الذاتية. فالطيب ومن خلال منسي يقدم الصورة الأخرى للطيب صالح الذي ينزع عنه معطف الروائي ليلبس بين الفينة والأخرى معطف الدبلوماسي والإذاعي والمكلف بالإعلام والثقافة والمنتمي والإنسان والمهاجر من الشرق إلى الغرب. غير أنه لا يقع في السيرة الذاتية الخالصة بذكر تفاصيل التفاصيل في مسيرته الحياتية ولا ينزع أيضا نزوع طه حسين في الأيام من تمجيد الذات ولا حتى نزوع روسو في الاعترافات. بل يظل وفيا للغياب بالحضور وللحضور بالغياب فيحضر متواريا مرة عاريا مرة أخرى وكأنه يتقدم على حقل من الألغام ويستغل السيرة الغيرية لتقديم سيرة ذاتية هي في واقع الأمر أصعب بكثير من السيرة الغيرية. ومن هنا تحضر جدلية الغياب والحضور للأجناس الأدبية والأنواع الأدبية.
الحضور والغياب الثيمي:
الكائن الذاتي والكائن الموضوعي:
يتعامل الطيب صالح في هذا النص مع الكائن الذاتي ومع الكائن الموضوعي. وإذا كانت الرواية تتعامل دوما مع الانسان كإشكال وسؤال فإن الطيب صالح حين يضفي على نصه لبوس الرواية نلاحظ أنه يقدم شخصيته منسي تقديم الشخصية الاشكالية وتصبح شخصية /سؤال ويجعل القارئ يقف كثيرا أمامها. ويصبح منسي هذا الكائن الذاتي الذي يستفرد بذاته وبرؤيته لعلاقاته مع العالم هو غير الكائن الموضوعي الذي لا يصلح أن يكون نموذجا.
يجعل الطيب صالح من الإنسان كائنا موضوع نصه ومنه موضوعا كائنا لنصه منذ الاستهلال حيث قدم دالا واحدا هو منسي ومدلولات ثلاثة لنفس الدال وهي الصورة الذهنية التي يكونها الطيب صالح عن منسي وهي صورة ينقلها بكثير من الطرافة والحميمية والاتصال الشعوري الوجداني الذي يجعل منها شخصية نادرة كما يقول العنوان ثم هناك الصورة الذهنية التي تكونت عنه لدى العامة تقوم على العبث والتمثيل والصورة الثالثة التي يكونها منسي عن نفسه وهي صورة تنتشر على مدى النص وعلى مداره.
هذه الصورة تقطع مع النمطية التي تهيمن في المخيال العام وخاصة عند المجتمعات الشرقية القائمة على الكينونة الجماعية حيث تندثر الذات مقابل المجموعة. وهنا اشكالية الإنسان التي يطرحها النص فهو بين التعقل والطيش وبين الفوضوية والعفوية حيث هناك الكثير من التجاذبات التي تجعل منسي يتصل بالمجموعة من جهة وينفصل عنها في تفس الوقت. فكان التركيز على الفرد والتفرد مقابل التكتل في المجموعة التي تمحو الخصوصيات لصالح إقامة نموذج واحد أو علبة واحدة يجب أن يتقولب عليها الكائن ليتخطى وجوده الذاتي إلى غيابه الموضوعي ويتجاوز كينونته فردا إلى انصهاره وتماثله جماعة.
وما تأرجح الطيب صالح بين قبول منسي والضجر منه أحيانا كما يعبر عن ذلك في النص، إلا دليلا على قيام الصورة النمطية في ذهن الطيب صالح من جهة ومحاولة اختراقها من جهة أخرى، من خلال إضفاء نوع من الحميمية التي تكسر الحكم الموضوعي وتنتصر للحكم الذاتي. وهذه الحميمية تجعل قبول منسي على علاته ممكنا. وكأن الطيب صالح يستعيد منسي إليه ويتعامل معه كقطعة منه وليس قطعة مجاورة له.
والسؤال المطروح إذن هو سؤال الذات في علاقتها بذاتها وعلاقتها بالآخر. وبذلك يحول الطيب صالح شخصية منسي من كينونتها الذات إلى كينونتها الموضوع فتصبح هي الاشكالية وهي الطرح والسؤال في نفس الوقت ويجعل العلاقة بين الموضوع والعالم الذي يحيطه واحدا من مقاصد العمل الأدبي المطروح.
المركز والهامش:
إذا كان الطيب صالح بوصفه المؤلف والسارد يشغل حيز المركز في مقابل هامشية الشخصية موضوع النص فإن العكس أيضا صحيح إذ يكون منسي مركزا مقابل الطيب صالح الهامش. ففي الحالة الثانية ينصب اشتغال النص على شخصية منسي فنتعرف على مفاصل هامة من حياته كموته وهجرته وإسلامه وتقلباته الوظيفية إضافة إلى روح المرح والدعابة التي ظلت ميسما خاصا طغى على الشخصية وجعل منها الندرة على طريقتها.
ولكن التوغل في النص سرعان ما يزيح هذا المستوى من الفهم والتأويل إلى مستوى مختلف يصبح فيه الطيب صالح مركزا لا بوصفه المؤلف والكاتب والسارد والشاهد وإنما بوصفه شخصية في النص ومنسي يصبح هامشا. وإذا أردنا أن نتسلى قليلا بجدولة السمات الشخصية لهذا وذاك سنلاحظ أنهما يقعان تقريبا على طرفي نقيض. فأمام ندرة منسي نجد نمذجة الطيب صالح وأمام مرح منسي هناك جدية الطيب صالح وأمام عفوية منسي هناك عمق الطيب صالح وغيرها من المقابلات التي يحرص النص على تقديمها لا بعين ناقدة وإنما بعين تقترب من التعاطف والحميمية حتى أنه يمكن القول إن الطيب صالح المؤلف يختفي أمام منسي اختفاءه أمام الطيب صالح الشخصية في النص.
وهذا التلاعب هو حيلة فنية يعتمدها الطيب صالح ليقدم سيرة الطيب صالخ وليس سيرة منسي. فالطيب صالح يدرك صعوبة كتابة السيرة حسب ميثاقها الذي يلزم الكاتب السيري كما يراها فيليب لوجون. فهو أذن يتلاعب بهذا المركز والهامش. فظل منسي بين لعبة النسيان والتذكر وحضر الطيب صالح كذات/ الكاتب وكموضوع/شخصية سيرذاتية. كأن الطيب يقدم منسي لا لرفعه عن مستوى النمذجة وإنما ليقدم شخصية الطيب صالح على الجانب الآخر لا على شكل مرايا وإنما على شكل التوازي.
ومع ذلك يوهمنا الطيب صالح بكونه متسامحا مع شخصية منسي على علاتها فيكون هو هامشها وهذا التسامح يبين تعالي الطيب صالح كشخصية نصية على منسي كشخصية نصية أيضا ويستعيد فيها الطيب صالح مركزيته.
المؤسسة واللامؤسسة:
ينتمي الطيب صالح الشخصية في النص إلى المؤسسة ( ثقافيا وايديولوجيا واجتماعيا) بفعل وظيفته إذاعيا ودبلوماسيا، وبالتالي فهو يمثلها ويخضع إلى أحكامها. ولكنه في نفس الوقت يستدعي اللا مؤسسة في شخصية منسي ليخرج من خلاله عن المؤسسة. فهو غالبا ما يمنحه الخيط ليقول ما لا يمكن للطيب قوله نظرا لانتمائه او تمثيله للمؤسسة. فالأول يتحرك في الفضاءات بكامل الشرعية بينما يتحرك منسي دائما كظل أو كنقيض للمؤسسة. فهو يصاحب الطيب صالح في رحلاته وينتحل صفات ما هي بصفاته ويتسلل إلى المؤسسة بكل الطرق التي يتحينها فلا تكون نتيجة استراتيجيات مقننة بل نتيجة ما يسميه الطيب صالح تهورا. ولكن الطيب صالح يحرص على تصويب الأمر كما يحرص منسي على قلب الأدوار. فنرى الأول على شكل طفل نزق بينما الثاني يلبس جبة الأب الروحي في السخط كما في الرضا. بل حتى في السخط والتذمر والحكي نلاحظ أن الطيب صالح يمارس سلطة المؤسسة لا فقط في حياته العملية بل وأيضا في علاقته بمنسي إذ يظل محافظا على وجه السلطة.
يتكلم الطيب صالح دائما من موقع السلطة الخاضع لسلطة المؤسسة والدبلوماسية فهو وإن كان ملما بقضية فلسطين وبالصورة النمطية الغربية التي يصنعها الغرب عن العرب فإن البروتوكولات والمؤسسة تمنعه من المجاهرة بموقفه العروبي المدافع عن حق شعبه العربي في تقرير مصيره بينما يتدخل منسي دون الاحتفال بالبروتوكولات فيقول علنا ما يفكر فيه الطيب صالح سرا. وكأن شخصية منسي هي شخصية مساعدة للطيب صالح وليس العكس. فقد ظل الطيب صالح يوهمنا يوهمنا بكونه الشخصية المساعدة لمنسي في النص والحال أنه العكس. وكأن الطيب صالح يستطيب تطفل منسي على دوائره ليقول علنا ما يفكر هو به سرا.
فالطيب صالح يعتمد هذه الحيلة السردية في استدعاء اللا مؤسسة في شخصية منسي وكأنه بذلك يريد أن يكشف للقارئ أن المؤسسة/ الشرعية محكومة بجملة من البروتوكولات الدبلوماسية والثقافية والسياسية وأن المؤسسة ليست دائمة قادرة على الجهر بالدفاع على قضاياها. فهو كدبلوماسي لا يستطيع تجاوز هذه الخطوط الحمراء ولكن دوره كمثقف يحتم عليه الجهر ببعض مواقفه وانحيازه لقضايا أمته فيضع قوله على لسان منسي.
الخاتمة:
وهكذا نلاحظ ذكاء الطيب صالح في التعامل مع هذا النص فهو لا يعبر الأجناس فقط وإنما يعبر أيضا موضوع النص وشخوصه. كأن الشخوص تتنافذ ويصبح الطيب ومنسي يتداخلان وينفصلان يحضران ويغيبان الواحد في الآخر حتى يستحيل الفصل بينهما. وتصبح قراءة منسي هي قراءة الطيب صالح.
الطيب صالح يتقن لعبة الخفاء والتجلي في كل نصوصه الروائية منذ موسم الهجرة للشمال فيعبر كل نصوصه ويبقى هذا العبور ميزته في انتقاله بين ثيماته وبين الشرق والغرب والأنا والآخر بحثا عن النموذج الكوني الذي يتوق إلى بنائه. وبهذا يحقق الطيب صالح مبدأ الانتشار كما يسميه ديريدا في كل أعماله.
فإذا كان اختار لكتابه تصنيفه تحت مختارات فهو يقدم لنا شخصية منسي على اعتبارها أيضا مختارات من الشرق والغرب. فهو المنسي في الخارطة العامة ولكنه يبقى تشكيلا من عصارة التقاء الثقافات كما يتوق إليه الطيب صالح.
*روائية تونسية - من صفحتها على الفيس بوك