مدى الثقافي/ علي عبدالله العجري:
قبل أيام، فجأني أحد أبنائي الذي يدرس في مدرسة هائل مديرية معين بصنعاء، بأن دخل الباب متأبطاً لثلاثة كتب ضخمة.
سألته بفرحة: ما هذا، من أين حصلت على هذه الكتب؟ وتلقفتها منه لأتفحصها. وإذا بها الحزء الأول والثالث من كتاب الحيوان للجاحظ والمجلد الثاني من ملحمة تولستوي "الحرب والسلام".
أجابني: وجدتها بحانب برميل القمامة أثناء خروجي من المدرسة ظهر اليوم، كانت مع كومة من الكتب تقاسمناها أنا وبعض الطلاب -وأشار إلى الجاحظ هذا منه ثمانية كتب أنا أخذت اثنين ومعهما هذا -واشار إلى تولستوي- وباقي كتب صغيرة ما أحد أخذها.
كان الغداء قد طُرح أمامنا، أكلت على عجل واستعجلت ولدي أيضا أريد الذهاب إلى مكان الحادث لأخذ صورة للجريمة، لكن عند وصولنا لم نجد إلا بعض المزق كان طلاب المدرسة والمارة قد تخطفوا الكتب إما فضولا او تقديرا لها.
دارت في ذهني جملة من الأسئلة وعلامات الحيرة والتعجب!
من قام بهذا الفعل؟ ولماذا؟
طرحت بعض الاحتمالات إما أن صاحب هذه الكتب وهو صاحب مكتبة عالية الجودة كما يبدو قد جُن. أو انه قد بلغ به اليأس والاحباط حالة لا تطاق وكفر بالعلم والمعرفة والكتب اقتناعاً منه أن لا فائدة منها في زمن الحرب والمجاعة والجري وراء قوت اليوم. وهذا احتمال وارد، وقد تكرر كثيرا في التاريخ.. مثلا ابو حيان التوحيدي الذي أحرق مكتبته بعد ان أدركته حرفة الأدب.
و"كانت العرب قديمًا تقول لمن ساء حاله ووقع في حبائل العوز والحاجة والفقر: «أدركته حُرْفَةُ الأدب»، وكان رجال الأدب هم أشد الناس فقرًا على مر الزمان حتى صاروا مضرب المثل في شدة الحاجة والحرمان؛ حتى قال شاعرهم:
لَقَد عَلِمتُ وَما لي ما أَعيشُ بِهِ
أن التي أدْرَكَتْني حُرْفَة الأَدَبِ
وقد أصابت حُرفة الأدب هذه صاحبنا أبا حيان، إذ نشأ يتيمًا في عائلة فقيرة من عائلات بغداد، يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان. وحين شب عن الطوق، امتهن حرفة الوراقة، وكان يسميها «حرفة الشؤم». فعلى الرغم من أنها أتاحت له التزود بالمعارف العظيمة التي جعلت منه مثقفًا موسوعيًا فإنها لم ترضِ طموحه، ولم تلبِ حاجاته فانصرف عنها إلى الاتصال بكبار رجال السلطة في عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عبّاد والوزير المهلبي يتكففهم، وهو عارف بأن استجداءهم ضرب من ضروب المذلة الفادحة، فعل ذلك ربما لجهله بمكانته الأدبية، وكان يعود في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، ناقمًا على عصره ومجتمعه.
وللرجل نصوص منتشرة في كُتبه تقطر مرارة وألمًا من شدة الشكوى من الفقر والحاحة والحرمان، ومن الحياة والناس، استمعوا إليه في آخر كتابه «الإمتاع والمؤانسة» يخاطب صديقه أبا الوفاء المهندس: «خلّصني، أيها الرجل، من التكفّف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضُّر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، اكفني مؤنة الغَداء والعَشاء. إلى متى الكُسَيرة اليابسة، والبُقَيْلة الذاوية، والقميص المرقَّع؟… إلى متى التأدّم بالخبز والزيتون؟ والله قد بُحّ الحَلْق، وتغيّر الخَلْق، اللهَ اللهَ في أمري!… أيها الكريم، ارحم! والله ما يكفيني ما يصل إليّ في كل شهر من هذا الرزق المقتَّر الذي يرجع بعد التقتير والتيسير إلى أربعين درهمًا، مع هذه المؤونة الغليظة، والسفر الشاق، والأبواب المحبَّبة، والوجوه المقطّبة، والأيدي المسمَّرة، والنفوس الضيّقة، والأخلاق الدنيّة».
ويبدو أن أحدًا لم يُصغِ إلى توسلاته وصرخاته، ولم يتحقق له ما يريد فبلغ به اليأس مبلغه، فأحرق كتبه ومؤلفاته، وقال حينها: «إني جمعت أكثرها للناس لطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحُرِمْتُ ذلك كله… لقد أمسيتُ غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النِّحلة، غريب الخِل، مستأنسًا بالوَحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا للصمت، ملازمًا للحَيرة، محتملًا للأذى، يائسًا من جميع ما ترى».
ولما لامَه بعض الفضلاء في حرق كتبه قال: «وكيف أتركها لأناس جاورتُهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررتُ بينهم، بعد الشهرة والمعرفة، في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفّف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق». وذكر في هذا السياق نفرًا من الفضلاء وأهل العلم سبقوه إلى مثل هذا الصنيع ومنهم أبو عمرو بن العلاء الذي دفن كتبه في بطن الأرض، وداود الطائي الذي طرح كتبه في البحر، وأبو سليمان الداراني الذي جمع كتبه في تنور وأحرقها بالنار، ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك.
هذا ما فعله التوحيدي وقد برره. لكن حسب علمي لم يرم احد مكتبته إلى مكب النفايات، وقد تكون هذه الحادثة في صنعاء إحدى البدع.
وقد يكون صاحب هذه الكتب التي رميت قد توفي وخلف من بعده ذرية جاهلة لم تخط حرفاً ولم تقرأ كتاباً ففضلت التخلص من الكتب التي تشغل حيزاً في المنزل ورميها في برميل القمامة. وهذا محتمل ووارد. فالكتب -خاصة الورقية- لم يعد لها بيع ولا شراء. الا للمهوسين بها، وهم قلة.
وإذا تداخل الجهل مع عدم القيمة مع الحالة العامة للبلد الذي ينهشه الفقر والمرض والحروب وسلطة اللصوص؛ كانت النتيجة أن يُرمى الجاحظ وكتابه "الحيوان" إلى مكب النفايات. الجاحظ أعظم كُتاب العربية وكتاب "الحيوان" يعد من أهم مصادر التراث العربي وأهم كتب الجاحظ على الإطلاق إضافة إلى "البيان والتبيين".
أما تولستوي، فهو عبقري الرواية الروسية وعظيم الأدب الروسي على مر العصور وروايته "الحرب والسلام" فهي الياذة العصور الحديثة. كيف يجتمعان في هذه المأساة وهذه الجريمة؟ من فعلها؟ ولماذا؟ تساؤل يحفر في دماغي دون توقف. حاولت البحث والتحري عن هذا الفعل الأثيم بكل الطرق لكن لم اهتد إلى شيء.
لعنة من الجهل والبؤس الفادح قد أصابتنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويبقى الأمل أن بذرة جميلة وجدت بداخل أولئك الطلاب. دفعتهم لانتشال العظيمين الجاحظ وتولستوي وصون حقهما ومكانهما. تلك البذرة ستثمر لا شك أياما خضراً قادمات. ولكل أجل كتاب.