مدى الثقافي/ محمد الغربي عمران *:
تتعدد الآراء حول أي عمل إبداعي بتعدد قرائه. والعمل الجيد هو ما يحتمل الاختلاف حوله. وكمتلق ما إن بدأت بقراءة "وجه القمر" لأستمر بها حتى آخر صفحة.
أوسان العامرية انتقت موضوعا مثيرا لروايتها، في الوقت الذي لم تجعل من ثريا حالة معذبة ومشردة كلقيطة. بل فتاة متعلمة عاشت في كنف أسرة أحاطتها بالمحبة والرعاية حتى تم زفافها كممرضة لطبيب مرموق.
إذاً نحن هنا أمام موضوع كثيرا ما تطرقت إليه كثير من الأعمال الإبداعية.. وخاصة الكلاسيكية.
في الشهور الماضية أيضا قرأت رواية للأديب عبدالله الربادي تناقش ذات الموضوع إن من زاوية مختلفة. إذا المسألة مسألة كيف.. أي أن لكل كاتب أدواته ولغته وأسلوبه وطريقته.
والبطبع السرد أجناس. وبين الرواية والسيناريو وشائج وصلات، رواية "وجه القمر" لأوسان العامرية. حكاية رومانسية، تذكرنا بأعمال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي السردية في إغراقها في عوالم الرومانسية والمعاناة العاطفية والاجتماعية.
قرأت وجه القمر ما يقارب 200 صفحة وكأنني أتابع حلقات تلفزيونية لحياة مفعمة بالمحبة. تعددت الشخصيات لتتجاوز الـ 15 شخصية. إلا أن ثريا ظلت محور الحكاية ونجمة الشخصيات. ثريا شخصية تقليدية.. من أحبته فهد شخصية مركبة. لتأتي بعد ذلك عدد من الشخصيات. شخصيات غلب عليها المثالية. عدا حبيبة أم فهد حبيب ثريا التي برزت كمتعجرفة ولا يهمها إلا نفسها.
هنا لست في موقع الناقد. فأنا متلق والنص ملعب حوار بين الكاتب والقارئ. يقينا أن الرواية موجهة لفئة الشباب لما تحمله من لوعة العاطفة الجياشة.
فثريا فتاة في غاية الجمال.. دمثة الخلق. لكنها لقيطة. يتبناها صالح وزوجته ويحاولان كتمان سرها ويرعيانها حتى تتخرج من الجامعة. ويمكن للقارئ أن يتخيل فتاة لقيطة في مجتمع تتحكم فيه مواقف صادمة من اللقيط. إلا أن الكاتبة كانت أكثر مقدرة في تقديم هذه الحالة بغير ما قدمت في أعمال أدبية كثيرة. إذ تعودنا أن نقرأ عذابات اللقيط.
ثريا تحب فيخذلها من أحبت بعد اكتشافه بأنها لقيطة. لكن الكاتبة تجعل من يتقدم لها شابا آخر ويلتقطها عروسا له. إذا هنا لم تشرد ولم تعذب في حياتها.
الرواية عمل فني أقرب من سيناريو لعمل سينمائي أو تلفزيوني. إذ إن جوهرها الاجتماعي ورسالتها الواضحة مهيأة لتكون على الشاشات.
الكاتبة قدمتها في وصف باذخ.. حوارات ثرية.. سرد متنام.. لغة سلسة. بالطبع هي حكاية ثريا.. إلا أن حكايات أخرى تخللتها.. مثل حكاية فريد واغترابه وحبه الذي انتهى بموت من أحب.. وحكاية سامر وصراعه مع عمه حول الميراث. تخللت حكايات سامر فريد العاطفة وإن كانت حكايات فاشلة.
المكان عدن بعنقود مدنها: كريتر.. دار سعد.. خور مكسر.. مدينة الشعب... الخ.
الزمن هو الزمن الحاضر إذ تبدأ الأحداث من تسعينات القرن الماضي، وتنتهي بانتصار عدن على قبح الحرب والتسلط.
الرواية أبرزت ملامح المجتمع.. طبقيته.. تلك السمات الإنسانية بين مكوناته.. العلاقات بين أفراده. وإن كانت الكاتبة قد سلطت الضوء على عيوب الطبقية. فالميسورون يحبون تزويج أبنائهم ممن هم في مستواهم. والمجتمع جزر متناثرة. ليبرز سامر ووالدته بوعي مختلف حين صمما على أن تزف ثريا عروسا للطبيب سامر.
من يقرأ وجه القمر يتوقع أن كاتبتها لها عدة أعمال. فتلك القدرة على الحكي المترابط وتلك اللغة المتماسكة.. إضافة إلى امتلاك أدوات ومفردات السرد تدلان على تجربة سابقة. وإن لم فأتمنى أن تواصل المبدعة إبداعها الروائي.. فلها قدرة شيقة على مشاركة القارئ فيما تنسج من حكايات. وقدرتها في إبداع رواية قريبة من السيناريو. فموضوع كهذا جاهز مع بعض التعديلات ليكون كما أسلفت عملا فنيا.
شكرا أستاذة أوسان.. رواية ممتعة ننتظر المزيد.. شكرا كثيرا.
* رئيس نادي القصة اليمني إل مقه