مدى الثقافي/ جيلالي عمراني *
الأوبئة في الأدب من الموضوعات الشائعة ربما منذ بدء الخليقة، لما تخلفه الأوبئة من فراق وموت جماعي ومآس كبيرة، وهي بمثابة عدو مستتر يأخذ في طريقة أفرادا وجماعات كالوباء الذي نعيشه حاليا وما يسببه لنا من أوجاع وإشاعات وتناقضات وصلت حدّ التشكيك، فتلك القصص المؤلمة تسلّلت إلى النصوص الأدبية الخالدة وخلّدت هذه اللحظات الفارقة في حياة البشر، من بين النصوص الروائية التي أرخت بشكل أو بآخر للوباء كالطاعون بشكل أخص، نذكر: دفتر أعوام الطاعون ن للروائي الانكليزي "دانييل ديفو" نشرت سنة 1722، والرواية الشهيرة "الطاعون" لألبير كامو الصادرة سنة 1947 واتخذ مدينة وهران مسرحا لأحداثها، ورواية المدنسة ربما بدرجة أقل للكاتب الفرنسي "غي دي كار" وفي السنة الأخيرة نشرت روايات عن وباء كورونا"حب في زمن الكورونا" في تونس والمغرب وربما في بلدان أخرى. القائمة طويلة من هذا النوع من الأدب الذي قارب أزمنة الإنسان في مواجهة الموت ولن يكون في مقدوره أن يفعل شيئا أمام هذا الغول "الطاعون، ايبولا، الكوليرا، أخيرا كوفيد 19".
يهمني اليوم رواية جديرة بالقراءة والاحتفاء بها، قرأتها سابقا، وقرأتها ثلاث مرات في فترات متباعدة، وهذه الأيام تحديدا بسبب هذا الحجر والخوف الذي سيطر على الجميع أعود إليها بنفس الشوق والحب والرغبة في التهامها، وهي رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغارسيا ماركيز الصادرة عام1985، ربما أعيد قراءة هذه البديعة في زمن "الكورونا" عبر العالم كما قرئت للمرة الأولى. جاءت الرواية في 444 صفحة ترجمها غلى العربية الكاتب السوري الراحل صالح علماني، منشورات المدى.
من لم يقرأ هذه الرائعة التي لا تختلف كثيرا عن مائة عام من العزلة؟ عندما قرأتها لأول مرّة أحدثت زلزالا في أعماقي، ليس بسبب حكايتها المعقدة الممتدة عبر عقود بل بقدرة الروائي الفذ أن يشدّك رغم أنفك بتلك التفاصيل الغنية، الصغيرة والمدهشة، ويقنعك أن الحكاية عن الحب التي يرويها غارسيا تختلف تماما عن حكايات الآخرين وروايات الآخرين الفجة. وصمدت رواية "الحب في زمن الكوليرا" طيلة سنوات، بسبب قوتها وإقناع القراء أن تيمة الحب في الأدب هي قيمة مضافة وعليا في حياة البشر. قال الروائي هاشم غرايبة بخصوص الرواية"أنها عصية على التلخيص" وهو محق في هذا تماما.
هل خدعنا ماركيز بهذا العنوان خاصة ما يتعلق بالوباء "الكوليرا"؟ ليأخذنا في سرده العميق المتدفق إلى قرية من قرى الكاريبي ليسرد لنا قصة الحب غير العادية، لم تكن مألوفة أبدا بل تكاد تكون ضربا من المستحيل أن تحدث تلك العلاقة التي تمتد قرابة نصف قرن، والعاشق يبقى ينتظر عشيقته غلى أن يأخذها في رحلة نهرية وهما طاعنين في السن؟ هل قصة الحب تلك مجرد حيلة من الروائي ليقول من خلالها تلك التطورات العميقة التي حدثت خلال سبعة عقود؟
الرواية التي بدأت بوفاة الطبيب المثالي الدكتور أربينو، قبيل وفاته بلحظات قال جملة مؤثرة جدا لزوجته"فرمينا داثا ":الله وحده يعلم كم أحببتك. جملة قالها بعد خمسين عاما من الزواج والعشرة الطويلة والخصومات البسيطة من أهمها الخلاف بسبب قطعة صابون، وبقاءهما بعيدين لفترة طويلة بسبب عنادها. وتبدأ قصة العاشق الولهان وهو في السبعين من عمره بعد وفاة الدكتور أوربينو، اذ تتفاجأ فرمينا بعشيقها السابق فلورنتينو بعد خروج المعزين واضعا قبعته جهة القلب، مرتعدا كما كان قبل أعوام، معلنا وفاءه لها:"لقد انتظرت هذه الفرصة لأكثر من نصف قرن، لأكرر لك مرة أخرى قسم وفائي الأبدي وحبي الدائم" ياله من وفاء وانتظار ما بعده انتظار، بين زواج فرمينا داثا من الطبيب المشهور بعد فشل علاقتها الأولى بسبب تعنت والدها ووفاة الطبيب، تبدأ حكاية الحب بين فرمينا وفلورينتينو سرا ويغمرها طيلة سنوات مراهقتهما بالرسائل والشعر، ليكتشف والدها تلك اللعبة التي لم يسامح ابنته أبدا وغادر القرية، عند عودتها بعد سنوات وهي متشوقة للقاء العشيق، بينما تتجول في زقاق مشبوه تفاجأ به أمام عينيها تحدق في وجهه الأزرق اكتشفت لحظتها حجم الورطة التي وقعت فيها بهذا العشيق، وتضع بوعي ونضج حدا لحكاية الحب، تقول داثا:" رباه، يا للرجل البائس" يقدم لنا ماركيز فصولا كاملة وغنية عن الفقر والحرب والشرف والحرمان والتقاليد الفجة التي حرمت شابين من عيش حياتهما، عن سبل التواصل في ذلك الزمن، من الرسائل اليدوية التي يتبادلها العشاق فيما بينهم بطرق مختلفة، مبتكرة في غالب الوقت. إلى الرسائل المكتوبة بالآلة الراقنة، وانغماس الشاب فلورنتينا في الملذات بينما يدعي بعذريته وفاء لحبيبته الأولى، وانتظاره المفجع لموت زوجها في يوم من الأيام وهو الذي حصل بالفعل.
*كاتب وأديب جزائري