تفاصيل

الأحد - 29 أغسطس 2021 - الساعة 06:11 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى الثقافي/ حمدي العطار *


أحيانا نقرأ قصة نشعر بالصعوبة التي واجهت من كتبها، قد يكون السبب عدم انسيابية اللغة، ويمكن عدم النجاح في إمساك كل خيوط اللعبة السردية، أو الانفعال العاطفي الزائد، او غياب الرؤيا الاجتماعية، أو ضعف الخيال وعدم تجسيد عناصر القصة بصورة فنية مقبولة. كل هذه الأشياء لم نشعر بها ونحن نقرأ المجموعة القصصية (أنوثة معلبة) للقاصة المغربية “الزهراء وزيك” والصادرة من دار السرد للنشر والتوزيع، سنة الاصدار 2021 وتقع في 75 صفحة وتضم 12 قصة قصيرة.

الإيحاء في العنوان

هل القاصة تتعمد ان تخلق الدهشة الممزوجة بالسخرية بهذا العنوان الغريب (أنوثة معلبة) والله لا يمكن ان يخطر في بال اي انسان ان تكون الانوثة (معلبة) يمكن ان تكون الفواكه واللحوم والحلويات (معلبة) لكن القاصة تعمدت العنوان (الصدمة) لتقول بإنكم (اي الرجال) قد تجعلون الانوثة أيضا معلبة، الم تتغزلون بالانثى وتقولون (لذيذة وناضجة وحلوة – او مثل البطة ) واحيانا تعبرون عن شدة الاعجاب بالقول (بالباكيت) أو (تنوكل) او باللهجة العراقية الشعبية “تنقرط قرط” ولا يمكن ان تتحلى بالصبر الا بعد قراءة قصة (أنوثة معلبة)!!

سردية متحركة في (أنوثة معلبة)

في كل قصص المجموعة هناك إشارات واضحة على تعرض المرآة الى الاستغلال الجنسي والجسدي، ومعاملتها كمواطن من الدرجة الثانية، حتى في صفقات الزواج او العمل، وتزداد وتيرة الاستغلال حينما تكون الفتاة جميلة جدا، كما في بطلة قصة (أنوثة معلبة) “لا تزال ملامح عامل الشاحنة عالقة بين عيني، تبث الرعب في جسدي الغض الطري، لقد تدلى أنفه وتحلبت شفتاه حتى كاد أن يلتهمني وهو يفتح لي الباب الخلفي للشاحنة”ص45 من هذا الاستهلال الرشيق بالوصف للتحرش الجنسي، ولم يكن التحرش بالكلمات (اللسان) او باللمس(الايدي) بل اختارت حواس (الحيوانات) عندما تتغزل وتخطط لممارسة الجنس (تدلى أنفه- الشم- وتحلت شفتاه –بالتذوق) انها انطلاقة موفقة وتوحي بالخوف مقابل الرغبة وبالابتعاد مقابل الالتصاق “خائفة أن يلحق بي ككل مرة ويلتصق بي متعلالا بإحكام إغلاق الباب والإمساك به، أنفاسه اللاهثة تخنق أذني وتجثم على صدري” هذا الاستهلال يدفعنا الى الترقب والفضول، وبما ان القاصة جعلت الاسلوب المنولوج هو السارد فهي فرصة للاستذكار والاسترجاع بكل سهولة وبلا تحفظ “”فقبل دقائق معدودات انفلتت وبصعوبة من قبضة لهاث العجوز عمي صالح، صاحب العربة الوحيدة في قريتنا – ومثلها تملك مواصفات الفريسة لا تصلح ان تكون (أمانة) – بعد أن أوصلتني أمي إليه كأمانة، ناصحة إياه أن يحميني إلى أن أصل الطريق الرئيسية حيث تمر شاحنة عاملات معمل السردين- ظهرت علامات التعليب بكلمة السردين- فما أن يكز العجوز حماره ويبدأ بجر العربة حتى يهتز جسده منتفضا فيتمايل فيلقيه على جنبي، ثم يهوي على الدابة المسكينة بالسوط كأنه يحاول أن يطفئ نارا مستعرة داخله”ص46

تتصاعد وتيرة السرد لتعبر عن الصراع داخل القصة، فالام تلوم بنتها لأن لها جسم انثى مغري ” آه يا أمي فطومة، شوفي هذا الجسد الممتالئ لن يجلب لنا غير المتاعب نحن في غنى عنها، لسنا إلا مجرد نساء وحيدات”ص47 انها تكلم الجدة التي يعجبها جسم حفيدتها (خليها عليك، ابنتي الغزالة، إنه قد متين ورثته عنا، عن عماتها وأعمامها، القامة الطويلة والبياض والجسد الممتلئ، سلالة دكالية (منطقة دكالة) تملأ العين ما شاء الله، لا أحد يشبهنا) امام تفاخر الجدة بمواصفات الحفيدة تدس القاصة صفتين بكلمات محددة (وحيدات) بمعنى فقدان الرجل (بالموت او السفر او الهجران) وكذلك (الفقر) “اييه يا أمي فطومة أورثونا المصائب، الناس ترث الأراضي ورؤوس الأغنام ونحن لم نرث منكم ومن سلالتكم غير هذه اللحوم”ص48 واذا كانت بطلة القصة لا تستجيب لعامل الشاحنة وتحرشه ولا تتجاوب بل تقرف من محاولات العم صالح صاحب العربة فهي بالتأكيد لا تفلت من (مراقب العمل) والذي (نقلني من ورشة تنظيف السردين وإفراغ أحشائه إلى ورشة الحزام المتحرك حيث كلفت بمهمة مداعبة العلب بأصابعي تحت أنبوب الزيت الحار اللامع متبل بالملح وتوابل حارة) هنا القاصة تمهد الى نوعين من الاشتهاء، اشتهاء الصبية البطلة الى التهام سمكة من الحزام وهي تتضور جوعا ونظرات شهوة مراقب العمل لتلك الصبية التي ستكون عقوبتها غالية جدا لنرى قوة التشبيه في المقطع الاخير من القصة “كنت أرى جسدي الطري وأنا أقلب إحدى العلب، كتلك السمكة ممتلئة، تختلف عن أخواتها، وما أن وقع بصري عليها حتى اشتهيت التهامها ..مع حبة الفلفل الحارة الصغيرة فوقها، فلم اتناول كسرة خبز منذ ست ساعات متتالية..التقفتها بخفة ووضعتها بين فكي وتابعت بأصابعي تحريك العلب تحت الأنبوب، وما أن رفعت بصري قليلا نحو الاعلى والسمكة لا تزال بين أضراسي، حتى لمحت المراقب في قميصه الأزرق الواسع، وهو يتأملني بتلذذ، وجبينه يتصبب عرقا يخفي ابتسامة ماكرة بين شفتيه الغليظتين..دوي صافرة الاستراحة تصم أذني، ورأس المراقب ويده وكل جسده تلوح إلى أن ألحق به إلى مكتبه في الاعلى”ص51

تعالج القاصة الزهراء وزيك في هذه القصة قضية اجتماعية بأسلوب تحليلي وصفي، ولا تفتقر القصة من المفاجئة وتعبر عن الواقعية النقدية وموقف تقدمي من رفض الاستغلال.

الجوانب الفنية

من بين العناصر الفنية في كتابة القصة القصيرة الناجحة هو وجود تمهيد مسبق للشخصيات والاحداث حتى لا يتم انتزاع الشخصية من ارض الواقع، فمن الضروري جدا معرفة هذه الشخصية، احلامها، طموحها، تطلعاتها، في قصة (أربعية الفقيه) والاربعية تعني (النقود التي تمنح لرجل الدين – الفقيه او امام الجامع- جراء ما يقدمه للصبية والصبيات من تعليم وحفظ القرآن الكريم- هنا في هذه القصة البطلة فتاة اسمها خديجة تبلغ من العمر عشر سنوات، تدرس القرآن عند امام الجامع، لنتوقف عند التمهيد المناسب لشخصية خديجة ” سارت بخطواتها الصغيرة، وقدماها تتعثران وسط الحذاء، تمسك القطعة النقدية بقوة…تحذيرات أمها لا تزال ترن في مسمعيها: خذي، هذه أربعية الفقيه، وهذا لكيس وضعت فيه قطعة سكر وحفنة شاي قرطستها جيدا، وكسرة خبز أبيض وكأس زجاج، انتبهي، إياك أن تركضي، حتى لا تكسيرها وتضيعي الأربعية..إياك”ص7 بعد هذا التمهيد المناسب للشخصية، تبدأ القاصة بوصف المكان وهنا يكون الجامع وتأثر هذا المكان (المقدس) على تلك الفتاة البريئة المؤمنة “الجامع يبدو قويا، متينا، باب لا يمكن لها ولا لرفيقاتها الاقتراب منه، فالجامع لا يدخله إلا الرجال والأطفال الصبيان..وعلى الطرف الآخر من الجامع، وعبر ممر ضيق، يجوز لها ولصديقاتها المرور عبره ليصلن إلى المسيد وهو كتاب الجامع، فيه يتم تحفيظ القرآن لأطفال الحي”ص9، السرد يوضح (اشتراك الام والاب بأعمال مقاومة للاحتلال الفرنسي، وتنقل الفتاة – من دون ان تدري- البريد عن طريق رغيف الخبز ) وقد قال لها الفقيه عبارة جعلتها قلقة وتفكر “آه يا خديجة بنت حمادي، كم يفرحني أنك قد حفظت ثمن الكتاب، وتجيدين ترتيله، وتحسنين كتابته بأجمل خط، سنفتقدك يوما يا بنت حمادي. وقع كلامه على قلبها ثقيلا”ص10، القاصة في كل مناسبة هناك اشارات للتفرقة بين الرجال والنساء، وهناك نوع من المفاضلة، قد لا تعترض عليها النساء بسبب الجهل والقناعة ويملكون مبررا دينيا، في كل يوم جمعة تطبخ النساء اكلة (الكسكسي) وهي اكلة شعبية مغربية تتكون من (دقيق السميد المبخر ويسقى بمرق منسم بالقرفة ومعسل بالبصل والزبيب، يسكب ذو اللون الذهبي على قطع لحم الخروف الطرية تغطيه جبال من الحمص) “تقدم وجبة الكسكسي للرجال والصبيان اولا، بعد العودة من صلاة الجمعة، أما النسوة فيكون نصيبهن مما أكلوا، بل يتبركن من صحنهم لأنه- وكما يعتقدن- قد تناولت منه أفواه رتلت القرآن وصلت الجمعة في جامع الحارة” وتستنج خديجة التي هي ايضا لا تتوقف شفتاها عن ترديد كلام لله وحفظه ان سبب عدم الاكل مع الصبيان والرجال فقط (لأنها ليست صبيا) ولا علاقة للقرآن او دخول الجامع في هذا الموضوع! دائما القاصة تجد ضالتها في التصعيد والتوتر وصولا الى النهاية المفاجئة، حينما يقتحم العسكر الفرنسيون دار خديجة يفتشون عن الاب لأنه (يهرب السلاح! يقتل عسكرنا، أين ذاك الخائن المدعو حمادي الدرويش) كلمة الخائن يطلقها الجنود الفرنسيون على الوطني الغيور، بينما تكتشف خديجة من هو الخائن الحقيقي ” التصقت بالجدار خلف باب الغرفة، كادت أنفاسها أن تتوقف وهي تلمح من شق صغير، نعلي فقيه الجامع بين أحذية العساكر..لحظتها فقط تذكرت كلام الفقيه يوم قال لها: “سنفتقدك يوما يا بنت حمادي” هذه القصة بالذات تحتاج الى اكثر من قراءة، وتحتاج الى تأويل لأنها تتجاوز تابو او خط أحمر حينما تجعل الفقيه يمتهن التجسس على الثوار ويتعاون مع المحتل.

الاناث تضحي دائما

تتجسد قصة (البتول) ما تقدمه الانثى من تضحي في سبيل ان يكون الذكور في الاسرة بخير، (الله يرضى عليك يا أبنتي خدوجة، أخوك سعيد قد التحق بمدرسة داخلية والمصاريف كثيرة) ص68 هذا يعني على خدوجة ان تعمل خادمة ولا تر في حياتها (الكراريس والأقلام ولا حتى المدرسة) وبسذاجة تتقبل خدوجة هذا الثمن الباهض وتكون سعيدة ايضا (تغمرني الفرحة وأنا متأكدة بأن تعليم أخي سعيد رهين بحبسي في هذا البيت الشاسع)ص69، هنا البناء الفني لهذه القصة يلفت النظر فضلا عن المضمون الاجتماعي، وامعانا من القاصة في تجسيد رؤيتها (ظلم الانثى) حتى من الاهل بسبب الفقر والحاجة على الاخص كان التمهيد في الاستهلال (وككل عام، ينقضي الصيف مخلفا هكتارات من ألارض العطشى، وهكتارات من الأشجان تملأ القلوب الظمآى)لذلك لا مانع من الاهل ان يتم ارتهان الاخت الاصغر التي لم تبلغ الا اربع سنوات عند (باشا المدينة) (- ان شاءالله سيكون حظ البتول الصغيرة أفضل لقد وعدت باشا المدينة، وسيغدق عليك بالكثير، أحضرها معك) يستنتج القارئ بإن بتول الصغيرة سوف لا تكون خادمة مثل شقيقتها فالحيرة التي تصيب البتول عند رؤية شقيتها بعد سنة (لم استطع حتى ملاعبتها كما عهدنا، وجدتها صبية وتدلت ضفيرتاها على كتفيها، بالكاد تعرفت علي..كانت شاردة فاغرة فاها، لم أتبين أهو شرود أم بلاهة تصيب أهل الجبال كلما وطئت أقدامهم سهول المدينة؟”ص73

الخاتمة

جميع قصص المجموعة غاية في القوة والتماسك الفني، فضلا عن المضمون الاجتماعي ونقد الظواهر السلبية في المجتمع، تحية للقاصة المغربية (الزهراء وزيك) فهي بما تقدمه ن قصص قادرة على المساهمة في التغيير الاجتماعي.

*كاتب وناقد عراقي- رأي اليوم