فنون

الثلاثاء - 18 فبراير 2020 - الساعة 03:14 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى الثقافي/ حميد عقبي*:


الفنانة اليمنية التشكيلية والأستاذة الجامعية والناقدة والقاصَّة آمنة النصيري، كسبت شهرة عربية وتمكنت أن تضع نفسها ضمن خارطة الفنانات التشكيليات العربيات رغم عدة عوائق لم تساعدها لتكون حاضرة في معارض عربية ودولية وخاصة منذ 2011 وبداية الحروب والصراعات في اليمن، هي ابنة بيئتها، تصر أن تظل يمنية إلى النخاع وأن تستلهم من البيئة والتراث الكثير ليصبح من أهم مصادرها الإبداعية، كما أنها تحاول بريشتها أن تنتصر للمرأة اليمنية بشكل خاص، المرأة في هذا البلد ليس كغيرها فهي تقاسي وتتألم لتأتي الحرب والصراعات لتزيد من همومها وتزيدها عزلة وتسلب بعض المكتسباب البسيطة التي تحققت بفعل نضال بعض الحقوقيات وضغوطات من منظمات دولية وبعض المتغيرات الاجتماعية، فنانة يمنية ليس من السهل أن تُنطق وتُكتب بسهولة فما بالكم أن تكون روحا وجسدا وأعمالا إبداعية.

تنطلق النصيري كفنانة من منطلق أنها مسؤولة وأن الفن ليس ترافا، كما أنها تحكي ما قد لا يسمح به أن يُحكى وتعود أحيانا إلى عمق طفولتها وتجربتها الذاتية وما وجدته من صعوبات لتكون لآن التحدي الأكبر كان بالنسبة لها أن تكمل مسيرتها لتكون فنانة وامرأة ذات رؤية إنسانية وأن تعبر عن الواقع بكل صخبه وألمه.

أسست في 2009 مؤسسة فنية ومختبرا جماليا أسمته (كون)، لتنمية الذائقة والثقافة البصرية في صنعاء وبجهد ذاتي ولكنها أغلقت بسبب الحرب، كان المركز الثقافي الفرنسي في صنعاء من أهم المتنفسات الفنية من خلال نشاطاته وكفضاء ثقافي فني نشط لكنه هو أيضا أغلق بسبب الحرب، هكذا جفت ينابيع فنية فأصبحت صنعاء حزينة لا تعرف سوى البكاء والصراخ والعويل ويُفرض الصمت على أي صوت إبداعي، تظل النصيري في صنعاء رغم ما حل بها من ظروف صحية ونفسية وضغوطات ولم تهرب كغيرها وكأنها ميديا العاشقة لأرضها للشمس ولكل ذرة تراب ولكنها ترفض إغراء جازون ولا تسحرها قيثارة أورفي.

في مجموعتها سيدات العالم، أكريلك على القماش، نحلق في دهشة فرجوية تمزج الروحي بالأسطوري وهي لا تغادر الواقع أو تهرب منه، فكل لوحة كالحلم تشدة الألوان ليلامس الروح بعبق طفولي رقيق، في لوحة لمرأة لا نرى عينيها حيث يغطي شعرها الأحمر أجزاء من الوجه ويغطي الرأس قبعة كأنها خوذة محارب تأخذ شكل يشبه العقرب، هنا الأزرق بخفة شعرية كدهن على الوجه، القلادة تعزز الأنوثة ويأتي اللباس الذي يوحي أنه مستوحى من التراث لتكتمل اللمسة الجمالية دون مبالغات زخرفية كأن الفنانة تنقش ما بدواخلها من رقة وجمال وأنوثة وتكون الخلفية السوداء مناسبة بمعنى تقوي الألوان كلها وتوحي بدلالات متعددة وتمنحنا نافذة حلم آخر.

كل لون كان يشد مرحبا بما يجاوره ويغني معه، كأننا مع أهزوجة وترانيم يمكن أن نفهمها ونشعر بها بغض النظر عن لغتنا وثقافتنا وميولاتنا الفنية، فالمحب للتجريد والسيرالية سيرى فيها حكاية لها مئة فصل تنحاز للحلم والهذيان وتخفي أكثر مما تُظهر ولها تعبيرات داخلية بحاجة لتأمل وتذوق خاص بعيدا عن تعقيدات نظريات الفن، فاللوحة كصورة تكتسب صفة المشهدية، فهي متحركة كأننا في عالم ميتافيزيقي قد لا يرأه إلا من يستحق ويمتلك الروح الإنسانية الخالصة والمتجردة من تراكمات المادة كأنها وحيا همست به ملائكة طفولية تشعر بمحنة الإنسان في هذا البلد الذي لم يعد مرئيا في الأرض والسماء.

إن العمل الذي لا يمنحك الحلم ولا ينحت في ذاكرتنا شيئا ولو نقشا خفيفا فهو خارج الفن، النصيري في هذه اللوحة تسكب قصة باللغة التعقيد لتخلق شخصية لها ملامح أسطورية ولكنها وأقعا معاشا، تراجيديا حاضرة، المرأة اليمنية وما تتحمله من عناء ومآس فهي مجبرة أن تكون الخنساء تقدم أطفالها قرابين لآلهة الحرب التي لا تشبع من أكل الأطفال والشباب ويريدونها أن تلد كل يوم طفلا ذكرا ويريدونه أن يكبر ويحمل السلاح ويذهب للحرب.

الأرض عطشى ولم يعد عرقا ولا مطرا فقط الدماء وهنا يحضر الأحمر ليغطي جوانب الوجه الأنثوي وقد يفهمه متذوق آخر أنه لون الحناء وله جاذبية جنسية مثيرة فهنا قد لا يكون الدم، حتى مع هذا الإحساس فموضوع الحرب سيظل حاضرا كأن هذه المرأة وكل النساء يصرخن ويهمسن للرجال كفاكم حربا وبعدا وغيابا وقسوة ففي الحياة الحب والجمال والجنس واللذة، حتى الرجال الذين يعيشون مع زوجاتهم فربما عقولهم وأرواحهم في معارك تسلبهم لذة الحب، من يُحس بالمرأة؟ فهي غير المرئية وهي التي عليها أن تكون خلف الجدران وهي من تتحمل غضب الزوج إن كانت زوجة وقسوة الأب إن كانت ابنة وحاجات الأبناء إن كانت أما، عليها أن تتضرع للسماء وتبكي الموتى والمرضى والجوعى وأن تتخلى عن زينتها وتلبس ما لا لون له مع كل جنازة، في بلد لا يأتي الحلم إلا نادرا.

كيف يحلم صاحب البطن الخاوية والجسد العليل؟ بماذا سيحلم من يعايش الرعب ويكون ليله مكللا بالسواد والرعب؟

هذا الذي يشبه ذيل العقرب الملتصق بالقبعة أو غطاء رأس، نسيج يكون فيه للأخضر حضوره الجذاب وللأصفر بسمته وكأننا مع إشارات لتعويذة بدائية حان موعدها، أنتِ أيتها الراقصة تأهبي لحفل بهيج، أنتِ قرباننا وأنتِ هديتنا للآلهة والشياطين والجن، أنتِ منقذتنا وأنتِ أضحيتنا، تكاد تكون مبتسمة وكأنها تعلم أنها ستظل خالدة في أذهاننا.

هنالك أعمال فنية تكون يصعب فهمها ويجب أن يشرح الفنان بعض التفاصيل، مثل هذه اللوحة تحتاج إلى تأمل وأن تقف مقابلها فقط، سرعان ما ستشعر برغبة لتسأل هذه الشخصية من أين جاءت وإلى أين ستذهب، هنا النصيري تخلق دراما وحكايات لكنها أيضا تتجاوزها وتحوم حول اللا مرئي والميتافيزيقي ولم تحد شخصيتها بمكان وزمان محدد، كما أننا قد نشعر بمعنى الوحدة والعزلة وبالتأكيد فاللوحة لها هتافات ذاتية وزفرة من الداخل لفنانتنا المبدعة والتي هي جزء من هذا المجتمع ومسها الكثير من الضر والألم وهي صرخة فنية ودعوة سلام.

إن البكاء ليس دليل ضعف ووهن فقد يكون ذكاءً عاطفياً ومرآة لروح طاهرة وهنا لسنا مع حالة استجرار عاطفي أو صورة لوجه وبورتريه يمكن تعليقها بصالة الجلوس، نكاد نحس بحركة ما ستحدث، فربما هنالك من سيتخيل أن الرأس قد يتحرك أو الشفاة ستنطق، التشويش وإخفاء جزء من الوجه كثف الدلالات الميتافيزيقية، هنا دعوة للحوار مع المتلقي ووضعة مباشرة مع هذا العالم الظاهر والمخفي منه يحمل مشاعر إنسانية تتوق للحلم والحب وتخاف من الحرب

*كاتب وسينمائي يمني مقيم بفرنسا

▪(القدس العربي)