مدى الثقافي/ علي عبدالله العجري:
في الأول من أبريل للعام 1965 ارتقى شاعر اليمن وأبو الأحرار محمد محمود الزبيري شهيداً تاركاً خلفه خلوداً أبدياً.. كما كتب الأستاذ عبدالله البردوني وهو يرثيه:
أتقول ُعاجلَه الأفولُ؟
فكيف أشعلَهُ الأفولُ؟
فعلى الجبالِ منَ اسمه
شُعَلٌ مُجنَّحةٌ تَجولُ
وصدىً تعنقِدُهُ الرُّبى
وهوىً تُسَنبِلُهُ الحقولُ
بعدد 55 عاماً من رحيله يتذكره اليمنيون ويستنجدون به وكأنه بينهم يعيش آلامهم وخيباتهم ويرقب أحلامهم ويحفزهم للوقوف من جديد في لحظة يأس وانكسار كتلك التي مرت به ذات يوم
ما لليمانين في نظراتهم
بؤس وفي كلماتهم آلام
جهل وأمراض وظلم فادح
ومخافة ومجاعة وإمام
والناس بين مقيدٍ في رجله
قيد وفي فمه البليغ لجام
أو خائف لم يدر ما ينتابه
منهم أسجن الدهر أم أعوام
والاجتماع جريمة أزلية
والعلم إثمٌ والكلام حرام
يقول عنه معاصروه إنه كان هادئ الطباع، قليل الكلام، حليماً متصوفاً زاهداً يسعى دائماً لجمع الناس على المشتركات وتجاوز المختلف عليه، يقول رأيه ويسمع رأي غيره.. لكنه لا يساوم ولا يلين تجاه قضية وطنه الكبرى، وكأنه ادخر كل عنفوانه وغضبه وثورته لهمّه الوطني الكبير. بل حياته وأدبه وشعره وعاطفته وهبها كلها لليمن.
فالقارئ لأعماله سيجد الوطن كامناً في كل نتاجه وحركاته وسكونه. ومن الصعب اختزال الزبيري في مادة كهذه، فهو الشاعر والأديب والمناضل والسياسي والصحفي والإنسان... وكل زاوية من هذه يلزمها بحثا مستفيضا، وقد سُطرت حوله الكتب، وحُضرت الرسائل الأكاديمية، فضلاً عن عشرات الأبحاث والدراسات.. وما هذه الاسطر الا شذرات تفترب وتبتعد، أملتها ذكرى استشاده الخامسة والخمسين.
هل هذه الذكرى مختلفة..؟ نعم مختلفة.. فقد أتت والحال يكاد يكون مطابقاً مع ما عاشه الزبيري واليمن قبل ثورة 26 سبتمبر التي اقتلعت الإمامة الكهنوتية المدعية للقداسة والحق الإلهي في الحكم والمنتجة للجهل والفقر والمرض والعزلة والتخلف. لكن الثورة لم تغص عميقاً لاقتلاع الجذور التي تسللت إلى السطح في غفلة من أبناء الثوار وأحفادهم، فأعادت إنتاج الإمامة على هيئة الحركة الحوثية، ففزع اليمنيون إلى الزبيري لفهم ما حدث وما سيحدث.
> حياته الأدبية والسياسية
ولد ونشأ في صنعاء في حارة بستان السلطان، وبها بدأ تعلمه وتأثر تأئراً شديداً بتعاليم الصوفية، ونعم بها كما لم ينعم بشيء آخر، ومال إلى الأدب عامة والشعر خاصة، فدرسه حتى تمكن من نفسه، فهام به أي هيام. وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى مصر ليتم دراسته، فالتحق بدار العلوم حصن اللغة العربية، وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن عام 1941م.
> بداية النضال
بقي الزبيري بعدها بمكة المكرمة طالباً للعلم إلى أن رحل عنها إلى مصر سنة 1939م حيث التحق بدار العلوم بالقاهرة، وقد أسس الزبيري وبعض رفاقه في القاهرة أول حركة منظمة لمعارضة الحكم الإمامي في اليمن في سبتمبر عام 1940م تحت اسم "كتيبة الشباب اليمني".
وفي سنة 1942 قطع الزبيري دراسته عائداً إلى اليمن التي رأى أنها تستحق منه مجهوداً كبيراً لإنقاذ البلاد من الأوضاع المتردية والمأساوية التي كانت تكتنف اليمن، آنذاك، تحت حكم الأئمة من أسرة حميد الدين.
في نفس العام الذي عاد فيه من القاهرة استقبلته سجون صنعاء والأهنوم وتعز، ولما استطاع محبوه أن يخرجوه من السجن لم يطق البقاء في اليمن - السجن الكبير كما وصفه ويقصد اليمن في براثن الإمامة.
وعند خروجه من السجن وشمال اليمن الذي لبث فيه قرابة تسعة أشهر صور الزبيري ذلك الخروج بعد وصوله إلى عدن قائلاً:
خرجنا من السجن شمّ الأنوف كما تخرج الأٌسد من غابها
نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابــــها
ستعلم أمتنا أننا ركبنا المـنايا حناناً بـــــها
فإن نحن عشنا فيا طالما تذل الصعاب لركابـــــها
وإن نحن متنا فيا حبذا المنايا تجيء لخطّابهــــا
وفي عدن بدأت مرحلة جديدة في الكفاح والنضال؛ حيث أسس الزبيري مع رفيق كفاحه أحمد محمد نعمان حزب الأحرار سنة 1944 الذي تحول اسمه إلى "الجمعية اليمانية الكبرى" عام 1946، وأصدر صحيفة "صوت اليمن". واستمر الكفاح حتى قيام ثورة 1948م؛ حيث قُتل الإمام يحيى حميد الدين، ونصب عبد الله الوزير إماماً جديداً لحكم دستوري شرعي. لكن الثورة سرعان ما فشلت، فعاد الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين نجل الإمام المقتول ليبطش بكل رجالات الثورة، وليفتح صنعاء أمام القبائل التي ناصرته للنهب والسلب، فغادر الزبيري اليمن، ولم يكن هناك باب من أبواب الدول العربية مفتوحاً له هذه المرة؛ فذهب إلى باكستان، وهناك التقى وتعرف على شاعر النفس المؤمنة عمر بهاء الدين الأميري الذي كان سفيراً لسوريا في باكستان، وله مع الزبيري مساجلات شعرية لم تطبع إلى الآن. وفي باكستان رثى شعبه بقصيدة جاء فيها:
ما كنت أحسب أني سوف أرثيه
وأن شعري إلى الدنيا سينعيه
وكنت أحرص لو أني أموت له
وحدي فداءً ويبقى كل أهليه
وما كاد الزبيري يسمع بقيام ثورة يوليو 1952 بمصر إلا وقرر الرحيل إليها؛ حيث بدأ نشاطه مع رفيقه النعمان بتجميع صفوف الطلاب اليمنيين، وامتد نشاطه إلى اليمنيين في السودان وكان الزبيري يلقي القصائد من خلال إذاعة صوت العرب، وكان لأحاديثه وقصائده دور كبير في إنقاذ الأحرار داخل المملكة المتوكلية (اسم عرفت به اليمن قبل قيام الثورة) من الإحباط واليأس وعدم إمكانية التغيير، خصوصاً بعد سقوط ثورة 1948م التي كانت أملاً للأحرار في الخلاص من ظلم وطغيان الإمامة والإنقاذ من الفقر والجهل والمرض، وكان الزبيري يقول: "كنت أحس إحساساً أسطورياً بأنني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان".
> العودة إلى الوطن
وحين قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م التي أطاحت بالحكم الإمامي استدعى الضباط الثوار الأستاذ الزبيري؛ لعلمهم أن مجيئه ومشاركته في الحكم يضفيان على الحكم شرعية كانوا بحاجة إليها، خصوصاً أن الثورة لم تنته من خصومها من الملكيين الذين كان لهم الكثير من الأنصار بسبب الصبغة الدينية التي كانوا يضفونها على أنفسهم، وكانوا يلقون الدعم من الخارج أيضا.
فعاد الزبيري إلى صنعاء، وأُعد له استقبال مهيب لم تحظَ شخصية جماهيرية بمثله وعين وزيراً للمعارف في حكومة الثورة، ثم نائباً لرئيس الوزراء وعضواً في مجلس الثورة حتى استقال عام 1964م؛ حيث إن التدخلات الخارجية أدخلت اليمن في حرب أهلية، فسارع الزبيري لإصلاح ذات البين بين القبائل، واشترك في مؤتمرات الصلح بين اليمنيين في "كرش" و"عمران"، كما تولى رئاسة مؤتمر "أركويت" بالسودان عام 1964م.
> اغتياله
وصل الزبيري إلى برط (شمال صنعاء) ومن هناك وجه رسالته إلى شعب اليمن التي شرح فيها مبادئه بعد الإحباط الذي عم المواطنين وخيبة أملهم في الثورة ورجالاتها؛ مما أقضّ مضاجع الملكيين الذين كانوا على مقربة من الزبيري الذي غزاهم في عقر دارهم، إلى أن عاجلته رصاصات الغدر في إحدى تنقلاته بتدبير من محمد بن الحسن بن يحيى حميد الدين الذي كان يقيم عند أحد مشابخ الجوف، فخر الزيري شهيداً وهو يدعو إلى ما آمن به، وكان ذلك في أول نيسان/أبريل سنة 1965م. وقد قال آخر بيت شعري له:
بحثت عن هبة أحبوك يا وطني
فلم أجد لك إلا قلبي الدامي
وقد ارتجت اليمن، وبكى الناس جميعهم، وحزنوا حزنا عظيما على فراق هذا العلم الشامخ الذي تتجاذبه التيارات الوطنية، وكل يدعي انتماءه إليه.
> أعماله
ترك الزبيري آثاراً وبصمات وأعمالاً تدل على عظمته وعلمه وحبه لشعبه، ولم يترك الزبيري قضية عربية أو إسلامية إلا وتحدث عنها شعراً أو نثراً، ولعل من أشهرها قصيدة "عالم الإسلام" التي ألقاها في مؤتمر حاشد في باكستان.
كما اهتم الزبيري في أشعاره بقضية "فلسطين"، وله فيها قصيدته الشهيرة "في سبيل فلسطين"، وله قصيدة مشهورة بعنوان "ثورة"، وهي من أشهر القصائد الحماسية لشاعر الثوار.
وللزبيري مؤلفات كثيرة؛ منها ما طبع، ومنها ما لم يطبع إلى الآن.. نذكر منها 3 دواوين شعر، هي: "صلاة في الجحيم"، و"ثورة الشعر"، و"نقطة في الظلام". ورواية واحدة هي "مأساة واق الواق"، تحدث فيها عن مصير جلادي اليمن وعن مصير الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن اليمن وشعبه متبعاً أسلوب، "رسالة الغفران" للمعري.
وله عدد من المؤلفات السياسية والرسائل الثقافية؛ منها "الإمامة وخطرها على وحدة اليمن"، و"الخدعة الكبرى في السياسة العربية"، و"مطالب الشعب".