مدى الثقافي/ محمود عبد الغني*:
قطع ورقية ورسائل شكر
يخلق كل كاتب عظيم، بعد قرن أو أكثر من رحيله، رجالاً، أو نساءً، يجوبون المكتبات وعائلات الكاتب ومنازله من أجل اقتناء الأشياء التي كان يملكها: مخطوطات، كتب، تحف، نظّارات، آلة كاتبة، رسومات، صور فوتوغرافية... فيصبح الجامع مثل مجنون يبحث عن أشياء لا تروي عطشه أبداً، لأنها تبدو، فجأة، غير منتهية، بدون شكل، أو سعر، أو هيئة نهائية.
يؤكّد الصحافي جيروم ديبوي، في حالة الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، أن الوسط الأدبي الفرنسي يعرف جامعاً "هوغوليا" سعيداً (نسبة إلى هوغو) على الأقل. يكفيه أن يذهب إلى أي موقع لشراء الكتب ويبحث عن السعر الذي وصله المزاد حول نسخة من كتاب "قصة جريمة" موقّعة بيد فيكتور هوغو لأحد المنتخبين. في الجولة السابعة من المزاد وصل السعر إلى 55 يورو فقط. وهو مبلغ يثير السخرية مقارنة مع 48000 يورو الذي وصله في إحدى الصفقات الأسطورية في 2005، الخاصة بالطبعة الأصلية لـ"أغاني الشوارع والغابات" (منشور سنة 1865) الذي أهداه الكاتب إلى شارل بودلير. والأمر لا يثير الاستغراب هنا، ما دام ذلك يجسد "لقاء" بين أسطورتين شعريتين في القرن التاسع عشر.
مع العظيم فيكتور هوغو يلتقي التافه بالرائع. فكل تاجر في إهداءات الكُتّاب والفنانين في باريس، يحترم نفسه، تحتوي أدراج خزانته ورقة صغيرة من الشاعر يشكر فيها إرسال أحد كتبه أو يعتذر عن دعوة، يتراوح سعرها بين 300 و800 يورو. يتمّ العثور أيضاً، وبكل سهولة، على رسائل يخطّها كاتب لا يتعب، رغم أن رسائل هوغو مع جولييت دروي أمكنها الوصول إلى مبالغ فلكية.
يشكّل ما يمكن تسميته "سوق" فيكتور هوغو استثناء خاصّاً، يتشكّل من الشاعر نفسه كما جاء في وصيته المؤرّخة في 31 آب/ أغسطس 1881: أمنح كل مخطوطاتي وكل ما يوجد مكتوباً أو مرسوماً من طرفي إلى المكتبة الوطنية في باريس التي ستصبح ذات يوم "مكتبة الدول الأوروبية الموحّدة". ويضيف، القصائد والإجراءات الشكلية الإدارية. النتيجة: مخطوطات "البؤساء"، "هيرناني"، "تأملات"، وأيضاً مجموع أعماله التي هي اليوم في ملكية المكتبة الوطنية الفرنسية.
قاد الطمع كبار هواة جمع أعمال هوغو إلى الحصول على مجموعة من النسخ الرائعة. يمكن أن نذكر هنا مجلّدين مطبوعين على ورق هولاندي من "تأمّلات"، مزيّنة باثنتين وعشرين صورة فوتوغرافية أصبحت ضمن مجموعة صانع العطور الشهير جاك غيتان، وبعد ذلك في ملكية صانع القصدير الملقّب بـ"ملك القصدير" أورتيز- باتينو، قبل أن تنتقل مقابل 420000 فرنك إلى ملكية "سوثبيز" سنة 1988.
هناك هواة جمع آخرون، على رأسهم الكولونيل ستيكلز الذي تمكّن من حيازة ثمانية مجلّدات مصححة من "البؤساء"، تحتوي على صفحات كاملة من الإضافات والمخطوطات المتخلّى عنها. وهي غوص ممتع في كواليس أكثر رواياتنا الوطنية شهرة.
كل محب لفيكتور هوغو، حتى لو كان صاحب ثروة متواضعة، أمكنه أن يحصل على طبعة أصلية تعود إلى 1862 من "البؤساء"، في عشرة مجلّدات مقابل مبلغ لا يكاد يتجاوز 1000 يورو. لكن أعمالاً أخرى أكثر ندرة، هي اليوم معروضة مقابل 50 ألف يورو في بعض المواقع المتخصصة مثل "آبي بوك".
لكن الدراسات حول شخصية فيكتور هوغو هي التي شكّلت انفجاراً في السنوات الأخيرة، خصوصاً الرسومات. هذا هو رأي آن هايلبروم، نائب رئيس ""سوثبيز" في باريس سنة 2010، البيت الرائع الذي باع رسماً باذخاً موقّعا من طرف الشاعر، يمثل أنقاض قصر بمبلغ 78750 يورو. لنفكّر في هذا الأمر: ليسوا كثراً الكُتّاب الذين نأخذ منهم في نفس الآن الرسوم، الصور والمخطوطات. فربّما هوغو يشكّل استثناء مدهشاً.
مختارات من مخطوطاته وكتبه
نقدّم هنا شذرات من كتابات فيكتور هوغو، التي رأى جامعوها منتخبات تلخص النظرة الأصلية التي يسلطها على الأشياء. وهي تُظهر أن يقينه يكاد يكون نبوئياً، وتدلّ على أنه لم يكن يميل حيث تميل الرياح.
حُب: "اليوم الذي تمرّ فيه امرأة أمامك تطرد النور وهي تمشي، تضيع، تحب. ليس أمامك سوى شيء واحد تقوم به: التفكير فيها بتركيز حتى تصبح مرغمة على التفكير فيك." (البؤساء، 1862).
معجم: "وُجد إلى يومنا هذا أدب للمتعلّمين (...) كل الكلمات ليس لها حقّ في اللغة. قد توجد أو لا توجد في المعجم. للمعجم إرادته الخاصة به. هل تتصورون علم النبات يعلن عن نبات غير موجود (...) لنغادر المدرسة، المجتمع المغلق، المقصورة، الذوق التافه، الفن الصغير، الجوقة الصغيرة" (وليام شكسبير، 1865).
الله: "وضع، عن طريق التفكير، اللامتناهي السفلي في تواصل مع اللامتناهي الفوقي، ذلك ما يُسمّى الصلاة" (البؤساء، 1862).
مساواة: "ليست المساواة هي القطر المتساوي؛ بل حقّ الجميع في التطوّر كل واحد حسب قطره" (أشياء مرئية، قبل 1870).
الأدب: "كان راسين، ولهذا هو مقدّس، لا يملك إلا الكمية المطلوبة من الخيال الذي يمكن أن تقبله العقول البورجوازية. إنه شاعر متواضع ومتوسط. هوميروس، إيشيل، إشعياء، شكسبير، موليير كانوا يهذون" (محيط، 1840-1842).
شعب: " أتكلم من أجل كل قليلي الكلام اليائسين. أترجم التمتمات (...) ضجيج الرجال غير واضح مثل ضجيج الريح؛ يصرخون. لكننا لا نفهمهم. إن الصراخ بهذه الطريقة هو معادل للصمت، والصمت هو تجريدهم من السلاح (...) أنا، سأكون طوق نجاتهم، أنا، سأكون الإبلاغ. سأكون فعل الشعب" (الرجل الذي يضحك،1869).