مدى الثقافي/ يوسف زيدان/ دومات التدين:
"اللهم إنى قد ضاقت على اﻷرض بما رحبت، فاقبضنى إليك".. هكذا ابتهل الإمام البخارى لربه قبل وفاته بأيام، بعدما كانت السبل قد تقطعت به، فلم يجد مكاناً ليعيش فيه، وهو الإمام الذى أفنى عمره فى جمع اﻷحاديث النبوية وبلغ من علمه بالحديث الشريف، أنه كان فى صباه يحفظ السبعين ألفاً من اﻷحاديث.
كان مولد الإمام البخارى (أبى عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) سنة 194 هجرية، وفى سن العاشرة درس علم "الحديث النبوى".
وفى السادسة عشرة من عمره خرج البخارى إلى مكة للحج، ثم ساح فى الأرض ليجمع الأحاديث من مشايخ عصره، ثم دقق الصحيح منها وجمعه فى كتابه (الجامع الصحيح) الذى بدأه بالحديث الشهير: إنما اﻷعمال بالنيات.
مورست الحسبة ضد الإمام البخارى بحجة سخيفة، هى اعتقاده بأن اللفظ بالقرآن مخلوق! ولتوضيح الاتهام: ساد اعتقاد مبكر بأن القرآن قديم غير مخلوق، لأنه كلام الله القديم، ولكن التلفظ بالقرآن فعل إنسانى، والإنسان مخلوق وبالتإلى فإن "اللفظ بالقرآن مخلوق".. ومن الجهة المضادة ساد اعتقاد مضاد بأن القرآن ما دام قديماً، فكل ما بين دفتى المصحف قديم، وحتى اللفظ لآيات قديم.
وعليه هاج أهل ااهتياج من قدامى المحتسبين، كأنهم نواب الله، فصارت حياة البخارى في "نيسابور" كالجحيم، وظل البخاري خارج أسوار نيسابور، استعداداً للرجوع إلى موطنه اﻷصلي "بلدة بخارى" بعدما ألصقوا به التهمة الجاهزة دوما للانطﻻق "الكفر"... إي والله اتهموا اﻹمام البخارى بالكفر.
لما اقترب من بخارى، استقبله الناس، ونثروا عليه السكر والدراهم ترحيباً به، لكن ﻻ مفر من الحسبة! فبعد استقراره بأيام، أرسل إلى أمير بخارى بريداً أسود مدعياً فيه أن الإمام البخاري خالف السنة، فأمر اﻷمير بطرد البخاري من بخارى.
لم يجد اﻹمام البخارى سبيلاً متاحاً، وﻻ موضعاً يتجه إليه، فقال بأسى عبارته المذكورة، وبقى بعدها أياماً محظوراً محصوراً خارج حدود "سمرقند" حتى توفي ودفن هناك.. فى الموضع ذاته الذى زرته، فوجدتهم قد قاموا قبل سنوات قليلة مشهداً بديعاً فوق قبره ومسجداً كبيراً، فعمر الموضع النائى الذى تمنى فيه البخارى الموت... ثم صار اليوم مزاراً.