مدى الثقافي/ زبن الله زبن الله *:
أستعير من المرحوم هشام علي هذه التسمية المسرفة (النهضة الثقافية في اليمن) -الذي أفرد كتاباً تحت هذا العنوان- لأقول عنها بوضوح مستفز: ليست أكثر من مجرد "استفاقة شعرية" بالمعنى التراثي - التقني لمفهوم الشعر؛ حيث يحتفل تاريخنا الثقافي المعاصر بأفواج من "الشعراء" بدءاً من كُتّاب "البريد الأدبي" (إبراهيم الحضراني ورفاقه)، وليس انتهاءً بـ زين العابدين الضبيبي وزملائه الشعراء الشباب؛ لأن هناك شعراء ظرفيين، أي مارسوا الصنعة مدةً ثم تبيّن لهم العبث فتنزهوا، فلم يحدثوا شغبا شعبيا بقصائدهم فهم في حكم المغيبين أمام التاريخ الرسمي للشعر اليمني..
أستعمل كلمة (استفاقة) استعمالاً نقدياً، أي أنها داخلة في فضاء تقليدي - محاكاتي محدود وثابت في ثقافتنا العربية بصفة عامة، غير أن ما يتميز به التقليد اليمني في مسألة الشعر هو طابعه الكسول؛ حيث أخفق في منعطفات كثيرة من مسيرته أن يتحلى بالأصالة في التقليد!
ففي مراحله الأولى (مرحلة مجلة الحكمة والبريد الأدبي الذي يصفه سيد مصطفى سالم بالحلقة التنويرية المفقودة!) يقتفي أثر الكلاسيكيين المصريين (شوقي وحافظ نموذجا) الذين اجتهدوا في محاكاة شعر الفترة الزاهية من حضارة الإسلام، حيث لا تجد كبير فرق بين شوقي وأبي تمام أو ابن زيدون. والمتابع لإنتاج سيد مصطفى سالم حول هذه الفترة (فترة الثلاثينيات والأربعينيات) يلمس الهمّ الشعري بهذا المعنى التقني حتى في الخطاب النثري والنقدي البسيط آنذاك. كان مدار الكلام في هذه "الحلقة التنويرية" حول الشعر والأدباء المصريين وآرائهم النقدية المتمثلة بمدرسة الديوان، وبالتالي اتباع هذا الرأي أو ذاك دون اجتهاد خاص، ومن الطبيعي أن يكون الوضع كذلك بفعل العزلة الثقافية المفروضة على اليمن، وجعلها بمنأى بغيض عن الاحتكاك الفاعل بالوسط الثقافي العربي، فإن كل ما يصلها هي تأثرات قلة من الطلاب المبتعثين أو ما يصل من المجلات المصرية بعد فحص دقيق من السلطة القائمة حينذاك، وإذن فبالكاد تصل إلى مجموعة محدودة من المحظوظين القادرين على القراءة وبالكاد يحدث هذا التفاعل السلبي من أصحاب مجلة الحكمة. أما دخول الكتب "البريئة في نظر السلطة (فتجربة الحورش في تهريب كتابي العقد الاجتماعي وطبائع الاستبداد تصور وضعا رقابيا حادا)" والمطبوعات التراثية فشحيح جدا إلى الحد الذي يتحدث البردوني في "الثقافة والثورة في اليمن" عن دخول أشهر كتب طه حسين والعقاد في الخمسينات بلغة مبتهجة، ولا تخفى دلالة احتفاء البردوني بمثل هذه الأمور التي تُعد من الاعتياديات لكن في حقبة الإمامة كان كل وافد معرفي جديد على هذا البلد الشاحب الكسيح هو حدث تاريخي يدعو للغرابة المبهجة ولو على صعيد اللغة المؤرخة..
كذلك كان التقليد في حقبة الخمسينات والستينات لمدارس شعرية مصرية وعربية كالرومانسية وأبلّو وجماعة المهجر، وللبردوني قصائد تضج بهذا الانسياق والمحاكاة وكذلك أواخر قصائد الزبيري، فضلا عن امتدادات للمرحلة الأولى مع أحمد محمد الشامي ومحترفي الصنعة من ذوي التعليم الديني الخالص.
إلا أن المسيرة الشعرية اليمنية اكتسبت مدخلات جديدة على مفهوم الشعر وبنية القصيدة وهيكلها، مع عبد العزيز المقالح وعبد الودود سيف وآخرين وسار على خطاهم معظم شعرائنا، بما يشكل نسقا، إلى بداية الألفين تقريبا. بالطبع هذه المدخلات هي من نتاج الواقعية والحداثة الشعرية والتغييرات الضخمة التي نتجت عنها، في صيغتها العربية لا في صيغتها الغربية البكر مفهوما وممارسة، أي ان الاستفاقة الشعرية اليمنية تواصل التقليد هنا عبر قنوات عربية؛ ما يجعل انتاجها الإبداعي أقل حيوية وابتكارا من نتاج الشعراء العرب الذين شربوا من النبع مباشرة، أي أنك لا تكاد تجد شاعرا عربيا مبدعا ممن سار على هذه الدروب الجديدة، إلا وهو يَعبُر لغة أو لغتين أجنبيتين كما نعبر الأنهار منذ السياب وليس انتهاءً بأدونيس، مما يجوز لنا تسمية تأثرهم وتفاعلهم بجدلية خالقة من ذلك النوع الذي يحدث بين الثقافات المختلفة لغرض الإفادة والتجاوز والخلق.
إذن فتفاعلات القصيدة اليمنية في صورتها الحداثية هو تفاعل معطوب في معظم تجلياته باستثناء حالات قليلة ومحدودة التأثير ثقافيا، من شواهد ذلك عدم قدرة هذه القصيدة على الحضور مجتمعيا ولو في دائرة مجتمع المدينة الذي يُفترض أن يكون المستقبِل الأول للأنماط الجديدة في معظم الظواهر الثقافية والتحديثية، وأيضا من استمرار القصيدة البيتية (العمودية) في أفقنا الشعري وعدم اكتراثها بالحداثة الشعرية، فهي النموذج الشعري المهيمن ثقافيا واجتماعيا في بلد لا يزال يحتفظ ببنيته السحرية القديمة المتأسسة بنيويا على الشعر والنص.
واذن استمر هذا النمط الشعري العتيق دون مواجهة صعوبات تُذكر مع تأثره أحيانا بالروح الجديدة للشعر كما نلاحظ حالة البردوني الإبداعية التي تكاد تكون الحالة الوحيدة حتى ظهور الشعراء الشباب اليوم الذين يسيرون على خطاه في الحفاظ على هيكل القصيدة مع التجديد في اللغة الشعرية والاهتمام بموضوعات القصيدة الجديدة داخل النمط العمودي الطاغي. (وهؤلاء الجدد هم أكثر تقليدية من سابقيهم، فعند تفكيك كثير من نصوصهم نجدها خاوية تماما).
إذن ظلت الحالة الشعرية الكلاسيكة سائدة أيام مزاحمة القصيدة الجديدة لها السبعينات - الثمانينات - التسعينات-، وبالرغم من أن البردوني حالة إبداعية داخل هذا السائد الشعري، إلا أنه استطاع أن يصل إلى الجماهير بفعل عوامل أهمها: محافظته على الشكل البيتي للقصيدة، وشعبوية دواوينه الأولى وهي التي تحظى بالتفاعل الشعبي بفعل قربها من همومهم ووضوحها ونضاليتها، أما دواوينه الاخيرة -رغم هيكلها المحافظ - فنادرا ما تخرج منها قصيدة تُحدث جلبة جماهيرية، وهذا مفهوم لأي متابع لشعر البردوني والتحولات الأنطولوجية لإنتاجه الإبداعي، التي هي أبعد ما تكون عن الأفق الثقافي العام لمجتمعنا اليمني.
مع بداية الألفية الثالثة كانت هناك أحداث مهمة قد تمت على الصعيد السياسي ألقت بتأثيراتها على ظواهر ثقافية عدة ومنها الشعر. فسقوط الأنظمة الناصرية والإشتراكية وصعود نجم الإخوان المسلمين ومن ثم التيار الديني بتشكلاته المختلفة والتأثير العميق الذي اجتهد في تكريسه وترسيخه في وعي اليمني (فردا وجماعة) حد إعادة صياغة جديدة للوعي تنطلق من تصور أحادي للموروث الديني، عبر وسائل منها: الخطابة والوعظ والكتيبات الدينية والشريط الإسلامي وإقامة صروح ضخمة لتدريس الدين، وأخيرا عبر المنهج المدرسي. جميع ذلك بالإضافة لبنية شعرية عميقة لدينا، عزز، على صعيد الشعر، من حضور القصيدة البيتية وهذه المرة شكلا ومضمونا، وانسحقت القصيدة الجديدة انسحاقا رائعا، وأصبحت باهتة ومفلسة إبداعيا في الغالب الأعم، ولا توجد وتتلى إلا في الأندية الأدبية شديدة الإنزواء، وبعض الفعاليات الثقافية ذات الحضور "النخبوي" الفقير، مع اجتهادها المُضر في أن تبدو واضحة بسيطة وربما تراثية في إهاب حداثي!
لقد أصبحت القصيدة البيتية علامة على البراءة الثقافية، ودليل برّ بالقديم والبالي، وإسهام حقيقي في تثبيت مخيال أسطوري عتيق ضارب بجذوره في أعماق ذاكرتنا الجمعية. بالإضافة لما توفره من مكانة حسنة لصاحبها في وسط المجتمع باعتباره الصوت المعبر عنه، حتى إن بعض الشعراء الشباب أيقن أن المجد الشعبي يقبع هنا لا في القصيدة الحداثية/ الطلسم.
أخيرا يتبين لنا إلى أي مدىً هذه الاستفاقة الشعرية مرهونة بنماذج سالفة، ولم تدخل بعد في حراك أصيل مع العالَم، ويتبين لنا أنها هي الحدث الثقافي الأطغى في مسيرة ما يسمى تجوزا "النهضة الثقافية اليمنية".
أما الجانب الأدبي الآخر كالنثر (القصة والرواية) والنقد، فإن الأول يكتب القصة أو الرواية بنَفَس شعري (شعري وفق التشكلات التي ألمحت إليها) وهناك المتجاوز لهذا الأسلوب، إلا أن الانتاج الروائي اليمني يفتقر إلى "روح الرواية" التي يمكن أن تجعل من الرواية اليمنية رواية عربية لا أقول عالمية فهذا لا يزال حلما للرواية العربية فضلا عن اليمنية التي ما فتأت تقيم ورش إنتاج رواية!!
وأما النقد الأدبي فهو ضئيل وضعيف واستهلاكي، وأدل الأدلة على ذلك هذه الكثافة الضخمة من الهراء تحت دعوى الشعر، فلو كان لدينا نقد حقيقي لعمل على تجفيف منابع هذا الدفق المرعب من الثرثرة المُعطبة.
نعم؛ فالإنتاجان الروائي والنقدي اليمني على محدوديتهما، فهما لا يمثلان المشهد الثقافي العام وليس لهما أهمية مجتمعية تستحق التوقف.
أما الكلام على إنتاج ثقافي مغاير كإنتاج فكري أو فلسفي أو اشتغالات في الإنسانيات كاللغويات وعلم الاجتماع وعلم النفس بجميع تفريعاتهما والمجال التأريخي المستثمر لأحدث مناهج البحث وفي مجال النقد الثقافي والعمل على مقاربة الموروث الديني والقَبَلي مقاربة علمية، فكل هذه القطاعات المعرفية في وضع الممكن حتى الآن، أي لم نشهد تدشينا حقيقيا واحدا في هذه المجالات المعرفية.
أُدرك وجود أسباب سياسية سابقة وراهنة كان لها دور حاسم في انطباع المسيرة الثقافية اليمنية بالطابع الشعري ذي البنية الخطابية الانفعالية القديمة، وأن هذه الأسباب كانت لها انزياحات مؤذية على المؤسسات التعليمية، لكن ليست هي وحدها المشكل، فإلى جانبها هناك مشكلات أخرى أعنفها: المشكل التاريخي العميق المتجلي في نمط الرؤية السحرية للعالَم المهيمنة على كافة تصوراتنا.
إنني أفكر بالتداخلات التاريخية العميقة الواعية وغير الواعية، بالديني والقَبَلي والسياسي والراهن إلى درجة الدوار، فلا أستطيع المضي وسط هذه الأدغال والأحراش...
*كاتب يمني