صحافة

الجمعة - 18 يونيو 2021 - الساعة 09:18 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى برس/ أندبندنت/ تحليل سياسي:


خلال فترات مضت، تمكنت إيران بعد سيطرة رجال الدين على مقاليد السلطة بعد الثورة في 1979 من النفاذ إلى المنطقة العربية عبر بوابة الطائفة التي تشكل الأقليات في جوارها، وأسست وتبنت عدد من الجماعات التي باتت أذرعاً لسياسة الثورة في العديد من الدول ومنها اليمن في مطمع محموم للتوسع على حساب قوى إقليمية ودولية في هذه الخريطة.

وباقتحام الحوثيين صنعاء، سارعت طهران للاستبشار "بسقوط العاصمة العربية الرابعة في يد الطوق الفارسي"، على الرغم من نفي مسؤوليها علاقتهم بالحوثيين والحرب اليمنية، لتدخل البلد إثرها في حرب ضروس لا هوادة فيها لم يشهد لها التاريخ اليمني مثيلاً أودت بحياة 233 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر، وبات 80 في المئة من السكان يعتمدون على المساعدات، وتعدته إلى اعتداءات متكررة على جيران اليمن منذ بدء حرب استعادة الشرعية.

متغيرات عاصفة

تأتي الانتخابات الرئاسية الإيرانية في سياق من المتغيرات العاصفة بخاصة على المستوى الخارجي منها التحرك لإحياء الاتفاق النووي وتأثيرات ذلك على مستقبل العلاقات مع الإقليم الذي جاء سقوط صنعاء الدراماتيكي في 21 سبتمبر (أيلول) عام 2014 على يد الحوثيين الموالين لها كأحد تجليات حتمية الاتفاق، وكذلك توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين الصين وإيران.

وقبالة هذه التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة بفعل تدخلات إيران التي لم تعد تخفيها، ينظر اليمن بشيء من الترقب لما ستقوله طهران في ظل رئيس جديد يكف يد بلاده عن تدخلاتها مع تبادل المواقف بين المؤسسات الإيرانية، بين من يؤكد العلاقة بالميليشيات الحوثية ومن ينفي دعمها، وانتهاج "سياسات طبيعية" ليس فقط مع اليمن، وإنما باقي دول المنطقة، لبنان وسوريا والعراق، وخصوصاً منظومات الأسلحة غير التقليدية والمتطورة التي سلمت على مدى السنوات الماضية لميليشيات منفلتة قدرت "بعشرات الآلاف من الصواريخ والطائرات من دون طيار، فضلاً عن التكنولوجيا اللازمة لبنائها" وفقاً للكاتب والباحث الإسرائيلي سميث فرانتزمان.

إضافة لدعمها العسكري والسياسي الذي ليس أوله استقبال المرشد الإيراني الأعلى لناطق الميليشيات، محمد عبد السلام، في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 الذي تبعه بأيام تعيين سفير لطهران في صنعاء، كاعتراف سياسي بالانقلاب الحوثي.

وهي الخطوة التي اعتبرتها الحكومة الشرعية، حينها، استمراراً للتدخلات الإيرانية، عبر إمدادها بالأسلحة المتطورة لحليفها الحوثي، وهو ما أكده تقرير لجنة الخبراء المعني باليمن الموجه إلى مجلس الأمن في الملخص التنفيذي لتقريرهم السنوي، الذي كشف توثيق "طرق عدة تستخدم لإمداد الحوثيين وذلك باستعمال سفن تقليدية (قوارب صيد) في بحر العرب، إذ يتم شحن الأسلحة والمعدات في المياه العمانية والصومالية إلى قوارب أصغر"، مع تسليم البضائع إلى الموانئ على الساحل الجنوبي.

نظرة على الانتخابات الإيرانية

ما يواكب تلك الانتخابات من ترقب إقليمي ودولي يعكس في مجمله حالة التوجس من استمرار سياسات طهران الطائفية المتشددة، كما يتهمها جيرانها، وفي مقدمتها تزويد أذرعها بالأسلحة غير التقليدية منها الصواريخ الباليستية بعيدة المدى كارتباط لأهدافها وسياساتها في المنطقة التي ينظر العرب من نافذة انتخاباتها بشيء من الترقب على أمل أن تعلن القطع مع سياساتها العدائية ومطامعها الطائفية التي اكتوى بنارها اليمنيون.

طهران.. وليست صنعاء

وبالتزامن مع مسعى دولي ضاغط "لكف إيران عن ممارساتها العدائية في اليمن والمنطقة"، ووقف الحرب الدامية في اليمن، كان لزاماً على المبعوث الأممي الخاص باليمن مارتن غريفيث تغيير وجهته من صنعاء، التي زارها أكثر من عشر مرات، إلى طهران لفتح "قناة جديدة في العملية السياسية اليمنية" وإيجاد كلمة سر وقف الحرب التي أهلكت اليمنيين وشردتهم في أصقاع الأرض، من خلال بحث دور إيجابي لحليف الحوثي في الدفع بالملف السياسي، وهو ما يعني أن طهران باتت معنية بالقضية اليمنية ومؤثرة في المنطقة باعتراف دولي، ما يعقد فرص فصلها عن الطاولتين المرتقبتين في الشرق الأوسط.

ونتيجة لذلك، يكتسب الاستحقاق الرئاسي أهمية مضاعفة من حيث تأثيره على معالم العلاقات الإيرانية مع المجتمع الدولي والإقليمي والعربي منه على وجه الخصوص، وفقاً للباحث في السياسات الدولية ماجد العبد الله.

مضيفاً أن "في ذلك ما يفسر تحرك مؤسسات الدولة العميقة وبخاصة الحرس الثوري بشكل غير مسبوق للتدخل المباشر في العملية الانتخابية أو "هندسة الانتخابات" كما كان يسميها مهدي كروبي (المرشح في الانتخابات الرئاسية عام 2009) ومن ثم السعي للحصول على منصب الرئاسة".

المرشد.. وفقاً للدستور

ورغم حالة التفاؤل بعهد جديد من السياسات الإيرانية المنفتحة في ظل رئيس جديد فإن الباحث العبد الله يرى أن الصلاحيات الواسعة والمطلقة هي للمرشد الأعلى وللحرس الثوري. وبالتالي فصلاحيات الرئيس "محدودة في النظام الإيراني وإن كانت له بعض الصلاحيات التنفيذية الدستورية، فهو في الأخير محكوم بإطار السياسات العليا التي يضعها المرشد الأعلى للبلاد وفقاً للدستور"، ومن أولويات سياسات المرشد "مشروع تصدير الثورة بإذكاء البعد الطائفي المتعصب ودعم الأذرع المنتشرة في اليمن وباقي الدول من خلال الحرس الثوري"، كتأكيد لما كشفته التسجيلات المسربة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف، نهاية أبريل (نيسان) الذي فضح علاقة الدبلوماسية الإيرانية بالجانب العسكري التوسعي وكيف كان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، يفرض آراءه في القضايا الخارجية.

لا علاقات مع "تصدير الثورة"

وعلى الرغم من مساعيها مشروع تصدير الثورة، فإن إيران ما انفكت الترديد على ألسنة مسؤولي خارجيتها رغبتها استئناف "علاقات يسودها الود والاحترام المتبادل مع محيطها الإقليمي والعربي"، إلا أن العبد الله يرى أن هناك "عقبات تحول دون تطبيع تلك العلاقات تحت أي إدارة"، وأبرز تلك العقبات "العقيدة التي تأسس عليها النظام الإيراني والمتمثلة في "تصدير الثورة" إلى الدول العربية والإسلامية" وهو ما يعني بالضرورة، "إثارة الاضطرابات وانتهاج سياسة عدائية تفكيكية، تمكنها من تحقيق أهدافها من خلال التدخل في شؤون جيرانها، وإنشاء مجموعات مسلحة لتوسيع نفوذها في المنطقة".

اليمن.. في جعبة الفيلق 

ولم يعد الدعم الإيراني لميليشيات الحوثي يحظى بالسرية التي كانت عليها في البدايات، ففي نهاية أبريل (نيسان) الماضي، أكد المساعد الاقتصادي لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال رستم قاسمي، وجود أنشطة لمستشارين عسكريين إيرانيين في اليمن دعماً للحوثيين.

ولهذا، فإن "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني هو من يدير النفوذ والسياسة الإيرانية في اليمن، في حين أن الحكومة الإيرانية (الرئاسة ووزارة الخارجية) تقدم الغطاء السياسي للنفوذ الإيراني في اليمن، وفقاً للباحث في الشؤون الإيرانية، عدنان هاشم.

ونتيجة هذه المعطيات، لا يتوقع هاشم أن تتغير السياسة الإيرانية في اليمن عما كانت عليه في عهد روحاني.

بسيطة الكلفة 

يعتبر هاشم أن اليمن بالنسبة لـ"فيلق قدس"، أرض نفوذ "بتكاليف بسيطة جداً مع تأثير كبير على الخصوم الإقليميين لإيران مثل السعودية والولايات المتحدة، مقارنة بحجم التكاليف التي تنفق في سوريا والعراق على سبيل المثال". 

كما لا يتوقع أن تتوقف الأسلحة الإيرانية عن التدفق إلى الحوثيين، والنظام الإيراني قادر على ممارسة ضغط على الحوثيين.

وتأكيداً لمد نفوذها وفقاً للولاء والحشد الطائفي يشير إلى أن "إيران قامت ببناء نفوذ أوسع لها داخل جماعة الحوثي من خلال وصول قيادات أكثر ولاء لإيران معظمهم من الطلاب الذين جرى تدريبهم في إيران".

وطلبت "اندبندنت عربية" في سؤال وجهته إلى الخارجية الإيرانية عبر البريد الإلكتروني، التعليق على اتهامها بدعم ميليشيات الحوثي بالأسلحة، لكنها لم تتلق بعد رداً منها وتلتزم بنشره فور وروده.

هل التقارب وارد؟

"إيران دولة جارة، ونطمح في أن تكون لدينا علاقات مميزة معها، نريد إيران دولة مزدهرة"، هو حديث لولي العهد السعودي الأمير، محمد بن سلمان جاء خلال لقاء متلفز رداً على سؤال عن علاقات طهران والرياض، وهو ما قرأه مراقبون على أنه تغير في سياسات البلدين وتقارب واعد باستئناف العلاقات، جاء عقب إدراك البلدين بأن "كلفة السلام أقل من كلفة الاحتراب" التي ستنعكس سياساتها على هدوء المنطقة العربية خصوصاً والرياض تقود تحالفاً عسكرياً ضد الحوثيين، الذين يقدمون مصلحة حليفهم الإيراني على حساب المصلحة الوطنية اليمنية، وهو ما كان جلياً في حادثة استهداف معامل النفط الخاصة بـ"أرامكو" السعودية في سبتمبر (أيلول) 2019، عندما أصرت الجماعة على تبني القصف في حين كانت كل الاتهامات الدولية تشير إلى قدوم المقذوفات من إيران رغم نفيها التورط بالهجمات.

قابلتها تصريحات من الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، الذي أدان الاعتداءات على سفارة الرياض في طهران قبل سنوات، واتهم مرتكبيها بأنهم تسببوا بعدم قيام علاقة طبيعية بين بلاده ودول الجوار.

لكن العبد الله يقول إن الخلافات الإيرانية السعودية تتخذ أبعاداً تتعدى السياسة إلى الصراع الجيوبوليتيكي (تأثير الجغرافيا على السياسة) في المنطقة. ويشير إلى أن كلاً منهما يسعى إلى "فرض نفوذه ضمن ما يعتقده المجال الحيوي له، لذلك فإن مباحثات كهذه ربما ستسهم في تخفيف حدة التوتر في المنطقة، لكنها لن تكون كافية لإنهاء صراع النفوذ".

ويخلص إلى أنه عقب سنوات من القطيعة، أدرك الطرفان حاجة كل منهما إلى "تهدئة التوترات" وتشجيع الجهود الدبلوماسية لحل صراعات المنطقة التي منها مباحثات الجانبين التي استضافتها بغداد في أبريل من العام الجاري، أول لقاءات رسمية بينهما منذ قطع العلاقات الدبلوماسية مطلع عام 2016 استجابة لضرورات فرضتها سياسات الإدارة الأميركية الجديدة، التي لم تعد حليفاً موثوقاً أو شريكاً للسعودية في مواجهة النفوذ والتهديدات الإيرانية المباشرة.

كما تأتي في ذات الوقت الذي "تسعى فيه مجموعة 5 1 في فيينا لإعادة إحياء اتفاق الملف النووي لعام 2015، أو ما يعرف باسم خطة العمل المشتركة".

المصدر: أندبندنت عربي