الأحد - 27 يونيو 2021 - الساعة 09:13 م بتوقيت اليمن ،،،
مدى الثقافي/ خاص:
مطلع القرن العشرين كان العالم العربي قد بدأ يتلمس أسباب النهضة على أسس عصرية حديثة بعد أن عاش لقرون تحت الطربوش التركي المتخلف.. حيث برزت الحركات والشخصيات المنظرة والمنادية بضرورة الإصلاح والالتحاق بركب الحضارة والبحث عن مكامن الخلل والقوة للنهوض على غرار الأمم الأخرى، لا سيما أوروبا القريبة حيث الأعراض التي عانت منها أوروبا القرون الوسطى تشبه إلى حد كبير الأعراض التي يعاني منها العالم الإسلامي.
ومن هنا جاءت الدعوات لنقل التجربة الأوروبية إلى منطقنتا العربية، وكان قد شرع فيها الرعيل الأول خلال القرن التاسع عشر من أمثال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والمازني مشيرين إلى التجربة التي لخصتها الثورة الفرنسية في مبادئها؛ الحرية والإخاء والمساواة وفصل الدين عن الدولة، وتشكيل الدساتير التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وكادت هذه الدعوات الإصلاحية النهضوية أن تحرك العجلة باتجاه العصر رغم الهيمنة الاستعمارية على المنطقة، حيث انتشرت الصحف والمسارح والفنون وترجمت العلوم التطبيقية والإنسانية وبرز الكتاب والمفكرون العصريون أمثال علي مبارك وعلي عبد الرازق ومحمد حسين هيكل الذي ادخل أدب الرواية إلى اللغة العربية وكتب رواية زينب كأول رواية عربية مكتملة الشروط الفنية.
وفي تلك الفترة بدأ العمل في قيام مؤسسات الدولة المدنية وصياغة الدساتير في مصر والشام والعراق على أساس الموطنة لا على أساس الدين. وتم تعريف السلطة والحكومة والدولة والمواطنة والحقوق بما فيها حقوق المرأة والاقليات وحرية العبادة والمعتقد.
لكن في العام 1928 برزت في مصر حركة ماضوية مضادة لكل تلك الإنجازات النهضوية، هذه الحركة هي "جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا والتي حرفت بوصلة التحديث في اتجاه مضاد تماما ما زالت المنطقة تعاني منه حتى اللحظة وإلى أجل غير معلوم.
لكن من هو حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول وما هي أفكاره الأساسية؟
هو حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي، وُلِد في المحمودية من أعمال محافظة البحيرة بدلتا النيل في مصر في يوم الأحد 25 من شعبان سنة 1324هـ وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية شمشيرة قرب مدينة رشيد الساحلية. كان جَدُّه عبد الرحمن فلاحًا، ونشأ والده أحمد بعيدا عن العمل بالزراعة، فدرس علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية. والتحق أثناء دراسته بمحلٍّ لإصلاح الساعات في الإسكندرية، وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة، ومن هنا جاءت شهرته بالساعاتي. أصبح والده من علماء الحديث وله فيه مصنفات عديدة
اشترك حسن البنا منذ وقت مبكر من عمره في بعض الجمعيات الدينية، وانضم لطريقة صوفية تُعرف بالطريقة الحصافية، حتى صار سكرتيراً للجمعية الحصافية للبر وهو في الثالثة عشرة من عمره. تميز حسن البنا بفهم واسع، وذكاء متقد، وذاكرة قوية، يُجيد فنَّ الحوار والإقناع، واللباقة في الأسلوب، والأهم كانت لديه فكرة لتغيير النظم بما يتوافق مع رؤيته للإسلام.
وفي السنة الأخيرة من كلية دار العلوم، التي تخرج منها وعندما كان يستعد للإقبال على الحياة العملية إذ طلب منه أستاذه (أحمد حسن نجاتي) أن يكتب موضوعًا في مادة الإنشاء يتحدث فيه عن آماله وطموحاته بعد الانتهاء من الدراسة فكانت الإجابة عليه تقول: “فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان: خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، وعام: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة. وقد أعددت لتحقيق الأول: معرفة بالجميل وتقدير للإحسان، ولتحقيق الثاني: من الوسائل الخلقية: الثبات والتضحية وهما ألزم للمصلحة من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقًا يزري به أو يشينه. ثم يقول: “ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير”. بهذه المشاعر الملتهبة والإصرار على تغير المجتمع نرى ان البنا منذ البداية يعيش هاجس الدولة الدينية الاسلامية كما يفهمها. وبذهنية متناقضة تماما مع محيطه الذي يناضل لاقامة مجتمع مدني ودولة عصرية على مسافة واحدة من كل الاديان والمعتقدات.
ومن تلك البداية الوضحة يمكن الوقوف مفصلا على اهم افكار حسن البنا المتعلقة بالدولة والمجتمع والحكم والسياسة كالتالي:
ووفقا للدراسة التي اجراها المركز الديمقراطي العربي.
1-السلطة: السلطة عند البنا سلطة دينية حيث انطلق من مفهوم محوري في طبيعة السلطة، وهي وحدة السلطة في النظام الإسلامي، بحيث ميز النظام الإسلامي، فالسلطة مرتبطة بعقيدة دينية تجمع الأمة الإسلامية ولا تفرقها، لذلك يقول البنا في رسائله” وكانت الأمة مجتمعة الكلمة باستمساكها بأهداب الدين، واعتقادها فضل ما جاء به من أحكام، ورعايتها لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشديده في الوحدة حتى أمر بقتل من فارق الجماعة أو خرج على الطاعة”.
ومن خلال ما تقدم، يتبين أن السلطة عند البنا مرتبطة بالعقيدة عند الفرد المسلم، وليست بالحدود الجغرافية، أو الإقليمية كما في الأنظمة الحديثة المختلفة، لذلك رفض البنا الحزبية، معتقدًا أنها تفرق ولا تجمع،
2- الحكومة الإسلامية: يرى حسن البنا أن الحكومة الإسلامية تتكون من أفراد مسلمين يؤدون الفرائض الإسلامية، ولا يتجاهرون بالمعاصي، لذلك فإن الحكومة التي لا تطبق أحكام الشرع الإسلامي ليست حكومة إسلامية، فالإسلام لا يتحقق كما أراد الله سبحانه وتعالى، إلا إذا قامت حكومة تطبق أحكامه في جميع شؤون الحياة السياسية، والاقتصادية، والنيابية، وغيرها، لذلك نظر البنا إلى الحكومة بنظرة مختلفة عمًّن كانوا قبله، فهو يرى أن الحكومة ركنا من أركان الإسلام.
3-الخلافة الإسلامية: ينظر حسن البنا إلى الخلافة الإسلامية على أنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في إعادتها، ولكن قبل عودة الخلافة لا بد وأن يسبقها عدة أشياء وهي: بناء الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، فيتكون المجتمع المسلم، فتأتي الحكومة الإسلامية، ثم الدولة الإسلامية، ثم تعاد الخلافة الإسلامية، فنصبح أستاذة العالم.
5- التعددية الحزبية: لقد كانت فكرة الحزبية مرفوضة تمامًا عند حسن البنا، على الرغم من أنه يعترف صراحة بأن الإخوان المسلمين جماعة سياسية، إلى جانب عنايتها بالدين والعقيدة، ولكن هذا الرفض جاء نتيجة لعدة أسباب، وفي ذلك يقول حسن البنا ”الإخوان المسلمون يعتقدون أن الأحزاب السياسية المصرية جميعا قد وجدت في ظروف خاصة، ولدواع أكثرها شخصي لا مصلحي، ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر، ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر، وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية، وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان”.
ومما سبق تبين أن حسن البنا نظر إلى الأحزاب على أنها استثمار سياسي لبناء النفوذ الشخصي، ولم تعد لها من وظيفة سوى تعطيل الإنتاج، وإلهاء الناس، وإفساد القيم، وتمزيق النسيج الاجتماعي الموحد بفكرة الأمة والجماعة، واختلفت آراء المفكرين حول التعددية السياسية عند البنا، إذ يرى الباحث أن هذه الأسباب التي ذكرها البنا سابقًا، لم تكن هي الأسباب الحقيقة من حل جميع الأحزاب، إذ كان الهدف الحقيقي هو إخلاء الساحة المصرية لحزب وحيد وهو جماعة الإخوان المسلمين، أو تشكيل إطار سياسي جامع يكون فيه للجماعة مركز القيادة، كما يرى آخرون أن الإخوان كان هدفهم السلطة، ولم يكن عندهم برنامج سياسي ملموس ينهض بالأمة في ذلك الوقت، لذلك يقول جاسم سلطان ”هل يملك الإخوان المسلمون برنامجًا مختلفًا عن بقية الأحزاب في ذلك الوقت حتى يطالبوا بحل جميع الأحزاب، أم أن الهدف واحد وهو التهالك على الحكم”.
كما يرى عبد الإله بالقزيز ”أن الحزبيةـ في هذا المفهوم الذي طرحه البنا ليس في جملة الحقوق السياسية للأفراد والجماعات، وليست مظهراً من مظاهر الحق في التعبير الحر، أو في حرية الرأي، بل هو رديف للتعصب، وللعصيان والتمرد على رأي الجماعة، ولزعزعة الاستقرار السياسي”.
6- القانون: إن المطلع على ما كتبه البنا في هذا المجال سيجد أنه قد بين الحكم الشرعي في تطبيق هذه القوانين، فالبنا يرى أن القوانين الوضعية التي تخالف الأحكام الشرعية قوانين باطلة، لا يحل للمسلم أن يحكم بها، أو أن يتحاكم بها، أو أن يلتزم بأحكامها، وفي ذلك يقول ”فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضًا مع تعاليم دينها، وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدماً كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله”.
7- المواطنة: مفهوم المواطنة ظل يتردد في أدبيات الإخوان المسلمين ولكن على استحياء، وذلك بسبب تضارب الآراء داخل الجماعة حوله، وعند الرجوع إلى كتابات البنا، يتضح أن مفهوم المواطنة كما ورد في التعريف سابقًا لم يرد في كتابات البنا صريحًا، ولكن أشار إليه تحت مسمى الوطنية على اعتبارها مفهوم يقصد به الانتماء إلى الوطن. وربما قصور في فهم معنى المواطنة عند البنا والجماعة.
8- الأقليات الدينية: تقدَّم أن الوطنية عند الإخوان تنطلق من العقيدة الإسلامية، وذات مضمون إسلامي؛ ومن خلال استقراء أفكار البنا حول الأقليات الدينية، نجد أنه أكد على أن الإسلامَ دين الوحدة ودين المساواة، وأنه كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}.
9-مشاركة المرأة: إن المدقق في رسائل البنا سيجد أن نظرته إلى المرأة تقوم على التفرقة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والواجبات، نظراً لتباين دور كل منهما في المجتمع، وفي ذلك يقول ”الفوارق بين المرأة والرجل مرده إلى اختلاف الدور الذي خلق من أجله كل منهما في المجتمع”.
كما يرى البنا بأن الاختلافات الطبيعية في التكوين بين المرأة والرجل تحتم وجود هذه الفوارق، ويعتقد البنا بأن الرجل عليه واجبات تجاه بناته فعليه أن يعلمهم القراءة والكتابة وتاريخ السلف والحساب، ولا ينبغي تعليمهن بقية العلوم التي يرى انها حكر على الرجل.
كما يؤمن البنا بأن المجتمع الإسلامي هو مجتمع فردي لا زوجي، بمعنى أن للرجال مجتمعات وللنساء مجتمعاتهن ولذلك نجد أنه حارب الاختلاط واعتبره مقدمة للوقوع في المعاصي، ولم يكتف الأمر على ذلك بل يقف البنا موقفًا معارضًا لمشاركة المرأة في العمل العام لدرجة تصل إلى التحريم. ويؤكد البنا في رسالة نحو النور هذا الكلام حيث يقول ”إعادة النظر بين منهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينه وبين منهج الصبيان، وتحريم الاختلاط بين الرجل والمرأة”.
ومن خلال ما سبق تبين أن البنا نظر إلى المرأة بنظرة المغلاة والتشدد، والأخطر في ذلك أن البنا تحدث عن تلك المواقف كونها موقف الإسلام من المرأة مما يسقط عليها بعدًا دينيًا.
10-الديمقراطية: إن المدقق في رسائل حسن البنا سيجد اعتراضًا واضحًا وجليًا على الديمقراطية التي كان ينادى بها الغرب، حيث يعتقد البنا أن الديمقراطية في عهده كانت بمثابة ستار لممارسات المستعمر الخبيثة ضد الشعوب لذلك نجده يقول ”أما أغنية الديمقراطية والديكتاتورية فأنشودة نعتقد أن الحرب الحالية ستدخل عليها ألحانًا جديدة، وأنغاما جديدة، ولن يكون في الدنيا بعد هذه المحنة ديمقراطية كالتي عهدها الناس، ولا ديكتاتورية كهذه الديكتاتورية التي عرفوها. ولن تكون هناك فاشية ولا شيوعية على غرار هذه الأوضاع المألوفة، ولكن سيكون هناك نظم في الحكم، وأساليب في الاجتماع تبتدعها الحرب ابتداعًا، ويخترعها الساسة اختراعا، ثم يضعونها موضع التجربة من جديد.
ومن خلال ما سبق تبين أن الديمقراطية كانت مرفوضة عند حسن البنا، وذلك بسبب تستر الشعوب التي تنادي بالديمقراطية وراءها، إلا أنه في الحقيقة نجد بعض الباحثين أشاروا إلى البنا بأنه قد قبل بالديمقراطية، مرتكزين إلى أفعال البنا على أرض الواقع ومنها: ترشحه للانتخابات النيابية في مصر مرتين. لكن ذلك يؤكد فقط برجماتية البنا وازدوجيته في التعامل مع الديقراطية. هي مرفوضة اذا لم تكن في صالح الجماعة ومرحب بها اذا كانت في صالحهم.
المصادر:
1-المركز الديقراطي العربي
2- البنا، حسن. مذكرات الدعوة والداعية. الكويت: مكتبة آفاق للنشر والتوزيع، 2011م
3- موسوعة ويكيبيديا.