كتابات

الخميس - 08 يوليه 2021 - الساعة 10:16 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى الثقافي/ د. هاني الشبول*


العَـلمانية secularism تعني فصل الدين والمعتقدات الدينية عن شؤون الدولة وإدارتها، على اعتبار أن التفكير العقلاني في تحديد معاني الأشياء وتقدير قيمتها وترتيب أولوياتها والعلوم وتطورها وليس المعتقدات الدينية وحدها هو السبيل الكفء الذي يضمن إنقاذ الإنسان وتحسين حياته وتطوير نوعيتها، وانتشاله ومؤازرته أثناء كفاحه في مسيرته الحياتية نحو الأفضل. فالعلمانية إذن: تدعو إلى أن تكون جميع القرارات المتعلقة بشؤون الحكم والإدارة والتشريع والقضاء مستندة إلى الأسس الموضوعية والمنطقية والمصالح الوطنية والتوازنات السياسية والاعتبارات الأخلاقية، وليس إلى الأسس الدينية والتفسيرات الغيبية. ولا يعني ذلك على الإطلاق أنها ترفض الدين أو تتنكر له أو تقلل من قيمته وأهميته، الأمر الذي يميزها بوضوح عن الإلحاد، وهي بالتأكيد لا تناصب العداء لرجال الدين والمتدينين، ولا تدعو مطلقا للنكاية بالمقدسات، بل إنها على العكس من ذلك تريد للمؤسسات الدينية ودور العبادة أن تكون المعاقل السامية التي تضطلع بمهامها الروحية النبيلة وتطالب بتطبيق حرية الأديان والمذاهب والمعتقدات على المستوى الفردي، ما دام ذلك لا يتجاوز العلاقة الروحانية الخاصة بين الفرد وربه.

هناك الكثير من القادة ورجال السياسة والمتخصصين في إدارة شؤون الدولة وتشريع القوانين، المعروفين بإيمانهم والتزامهم بأديانهم لكنهم لا يخلطون بين واجباتهم الدينية والمدنية. بالمقابل فإن ثمة العديد من علماء الدين والمتدينين الحقيقيين الذين يؤمنون بصحة منهج العلمانية ويدعون إلى تطبيقه، لإدراكهم بأنه المنهج الذي يكفل احترام الدين ويصونه من الابتذال عن طريق إبقائه بعيدا عن نفاق السياسة وابتذال أساليبها للحفاظ على صورته النقية المقدسة التي تُعنى بعلاقة الخالق بالمخلوق. إن الفصل بين الدين والدولة، هو فصل بين السياسة التي تقوم على المراوغة وحسابات المصالح، وبين الدين الذي يقوم على المبادئ الأخلاقية، إن الخلط بينهما كما قال عالم الاجتماع د. سعد الدين إبراهيم هو "خلط بين المقدس والمدنس".

فعلى أصحاب الرؤى الدينية إذا، أن يضعوا بعين الاعتبار أن الدين (أي دين) غير قادر على قيادة الدولة والمجتمع وغير قادر أيضا على سن قوانين وشرائع تتناسب مع المتغيرات المدنية والحياتية الناتجة عن تقدم الإنسان وتطوره الدائم (فكريا وماديا)، والسبب في ذلك هو أن الأديان ثابتة وقوانينها ثابتة غير قابلة للتطور لأنها مستندة إلى نصوص لا يمكن المساس بها، والثبات من المنظور العلمي يعني الجمود، لهذا لا يمكن لأي دين في هذا العالم أن يسنَّ قوانين وشرائع تصلح لكل زمان. لذا فان أهمية تطبيق منهج العلمانية في قيادة الدولة والمجتمع تكمن في إنها تُبقي المجال دائماً مفتوحاً لوضع أحكاما وقوانين علميه تتناسب ومتغيرات العصر في كل زمان ومكان، لان العلم قادر على نقض وتطوير ذاته، وإلا سيبقى الإنسان أسير رؤية أحادية ثابتة لو اعتمد على الجانب الديني فقط. هناك العديد من الدراسات الأكاديمية في علم التاريخ السياسي التي تؤكد على إن انتشار الفكر العلماني غالبا ما يكون نتيجة طبيعية للتطور الحضاري للمجتمعات.

* موقع خبرني