تفاصيل

الخميس - 21 أكتوبر 2021 - الساعة 01:54 ص بتوقيت اليمن ،،،

مدى الثقافي/ متابعات:


يطارد الشاعر السوري الكردي هوشنك أوسي، المقيم في بلجيكا، في ديوانه التاسع "بعيني غراب عجوز"، الصادر عن دار "خطوط وظلال" في عمّان، خيوطاً زئبقية متسرّبة، لم يعد ممكناً الوصول إليها، مثل العمر الضائع، والعشق الزائل، والربيع المسكوب، والوطن المسلوب والمحجوب، والأحلام المنتهية باليقظة البائسة. وهو يجعل رحلاته المكوكية إلى هذه المستحيلات، وغيرها، غاية بحد ذاتها، ليس إنقاذاً لما لا يمكن إنقاذه، وإنما رضوخاً لخيالات الشعراء، ونزولاً على رغبة غراب عجوز، له منطقه الخاص في قراءة الزمن، ومطالعة العالم المتقلب بعيون المندهش المتأمل، الذي لا يملك غير المراقبة الصامتة "بعيني غراب عجوزٍ يتفحّصُ آذارُ فضائحه/ يعيد تنقيحها من مبالغات الزمن الأعمى وبلاغته/ يقدّمها على مائدة الجهات طعاماً لخيال الشعراء/ يعيد ترتيبها وفق أبجدية الحجر/ بعيني مدينةٍ هتكها البرابرة".

ويدرك الشاعر أنه ليس حوله سوى الخذلان، فيعلن استقلاله التام، واستقالته من كل شيء، حتى من الريح، التي عمل لديها حارساً على ذاكرتها، فلم تترك له ‏زورقاً ورقيّاً، إلا وأطاحت به في بحر الخيبات.‏ وهو، بالتوازي مع ارتحالاته العبثية،‎ لا يطلب من أحد أن يأخذ كلامه على محمل الجدّ "هي هلوسات لا أكثر"، ولا يجد نفسه أكثر من جملة اعتراضية بسيطة موجعة، حائرة فوق السطر بين قوسي البداية والنهاية، ولا يشحن قصائده سوى بمذاقات المرارة وأبجديات الفقد والشتات "قرأ الكرديّ قصيدته عن حزنه وخيباته وانكساراته وبلاده المغتصبة".

شعرية المصارحة

في مجموعته الجديدة "بعيني غراب عجوز"، يواصل هوشنك أوسي (45 سنة)، صاحب "ارتجالات الأزرق" و"شجرة الخيالات الظامئة" و"الكلام الشهيد" و"فنجان سمّ" وغيرها من المجموعات الصادرة بالعربية وبالكردية، توجُّهه صوب ما يمكن تسميته "شعرية المصارحة" أو الضربات الشعرية المباشرة، فالقصيدة تتعرى من مجازها وزينتها مثلما أن الحياة باتت صادمة متقشفة، والذات تتجرد من غرور وجودها وتحققها بالقدر الذي تستشعر فيه جوهر هشاشتها وخوائها وحقيقة اغترابها وغيابها وتبعثر خلاياها الميتة مع شظايا الحروب المتناثرة "ليس لديّ ما أسدُّ به جوع طريق يحلم بالسفر/ أنا حجرٌ بركاني، عافتهُ الريحُ، مُذ عافت الظلالُ أشجارها/ ليس لديّ ما أفتحُ به أقفالَ الزّمن، وأفاتحُ به سيرتي/ أنا أنقاضُ ليلٍ هارب من حرب تلاحقه/ مُذ بدأ البحر ملاحقة الشُّطآن/ لم يعد لديّ ما أقتسمهُ مع الخيبة/ أنا وطنٌ أدمنَ الاغتراب".

المجموعة الشعرية (دار خطوط وظلال)

يكتب الشاعر وكأنه يلهث، فهو في حالة مطاردة دائمة، فالخطوات هي ارتطامات بصخور جامدة، والأفكار هي دوائر مغلقة مصمتة، والتفاصيل الحياتية المتكررة هي بمثابة ماراثون يوميّ، عناصره ومحطّاته: اللوعة والحيرة والقلق، وخوضُ حروبٍ مجهولة ضدّ مجهول مجبول من الخرافة والتفاهة، وكذلك الخوف من أمور كثيرة، بل من كل شيء "ما الحياة إلا حوافّ منفى متهوّر وشقيّ الخيال/ والمذاق اسمه الموت".

وفي سبيل هذه القناعة بما هو ملموس من الجراحات الدامية، ومن الأقفال التي تغلق كل الأبواب والنوافذ والتطلعات، فإنه يحيل سائر الفلسفات والعقائد والموروثات التاريخية والحمولات المعرفية إلى التقاعد، باعتبارها أوهاماً، وأكاذيب، وأثواباً بالية، يرتديها السحرة والدجالون وباعة الكلام على مرّ الأزمنة "لم أكن وحيداً في تدوين أوهام التاريخ والأديان والفلسفات/ شاركتني قصائدي، أحزاني وخيباتي/ كنتُ الناجي الوحيد من هذا الجحيم الذي تسمّونه الحياة/ والهاربَ الوحيد من تلك الجنة التي خبأتموها بين أوهام السماء".

انتفاء المعنى

وإمعاناً في تماهي الشاعر مع المتاهات المحيطة به من كل جانب، والمحتلة أنسجته وأعماق ذاته من الداخل، فإنه يستسلم كلية لغياب المعنى، فلا معنى لشيء خارج دائرة العدم، تلك التي لا يصدّق غيرها من المدارات الخادعة والفضاءات المراوغة "لا يمكنني تحديد معنايَ الحقيقي أو المجازي/ عاجز تماماً عن فعل أي شيء". وفي قلب هذا اليأس الغريب، يتوّلد الأمل أيضاً من رحم الغرابة، فالخلاص والتحرر الافتراضيّان يكمنان في التلاشي والامّحاء "أنتَ شخص ميئوس منه/ كوشوم البن المتحجر في قعر فنجان/.../ لا شيء سوى الانتظار/.../ على أمل أن يأتي أحدهم ويحذفني/ ويحررني مما أنا فيه".

أما جدوى الكتابة، وسط هذا الاحتفاء الكبير باللاجدوى واللامعنى، فيتجلى أكثر ما يتجلى في كونها براكين تساؤلات وألغاز مستعصية، تزيد اللعبة إثارة وغلياناً، وتُضاعف درجة الخطر، وتُعلي مستوى الأدخنة الضبابية، بما قد يكسر السأم في الحياة الروتينية التي لا طائل منها "هذا الهدير الذي يلهمكَ كتابة الشعر/ هو غليان أسئلتي، حيرتي/ وانفجار ألغام الشكّ والظنون في أحشائي/ كلّ شيء في هذه الحياة، صار باعثاً على الملل".

ويستعمل الشاعر لغة نثرية تتسق مع قسوة المناخات التي تعبّر عنها قصائده الصارمة، التي تبلغ سبعاً وثلاثين قصيدة قصيرة، تقع في أربع وثمانين صفحة. فهي لغة متوترة، مبتورة، مقتصدة، مضغوطة بفعل الحصار الواقع عليها كما على كاتبها، مستنزَفة، مهشّمة، صارخة حتى في أوقات خرسها، منكوبة كالحطام الذي لا تجد غيره لتتحدث عنه "حطام السفينة على الشاطئ... نقطة في آخر سطر نصّ البحر والعاصفة".

ولا يكترث الشاعر بجعل الأنا مركزاً للقصيدة ومحوراً للأحداث، فرؤيته لما حوله بشكل سلبي وبغير قدرة على الانخراط في الفعل تفتح المجال أمامه أكثر للاتكاء على السرد، ورواية المشاهد من خارجها، بعيون كثيرة يستعيرها من الموجودين حوله، منها عينا الغراب كما في عنوان الديوان، وعيون الحرب التي تتقصى اللاجئين باكية إلى أن يبتلعهم البحر، وعيون الكهوف التي تدير ظهرها للأزمنة والأمكنة متلقّية الطعنات في سكون، وعيون الشارع التي فقأتها الريح العابرة، وعيون الغابة التي نزحتْ عن أرضها وأحرقها الدمع والحنين، وعيون الحصوات الصغيرة التي ظل يفركها في كفّه فضاعت في صحراء الطريق.