تفاصيل

الجمعة - 28 يناير 2022 - الساعة 09:04 م بتوقيت اليمن ،،،

مدى الثقافي/ علي عبدالله العجري:


رواية "العذيرة" للروائي أحمد السري على قدر من التميز والإختلاف في المشهد الروائي اليمني، وبطل الرواية صحفي في الخمسينات من عمره ،وجد نفسه عاطلاً عن العمل بسبب الحرب المشتعلة في البلاد منذ سنوات، فقرر الذهاب إلى قريته في أعالي الحجرية من محافظة تعز، وعند وصوله القرية تفاجأ أن القبر الذي يطلق عليه "قبر العذيرة " قد نبش . (وهو القبر الذي صار مكاناً تتعارك فوقه الافكار والمعتقدات ابتداء من ستينات القرن العشرين )
الصحفي حاول إشغال نفسه بفك اسرار هذا القبر وسر صاحبته بعيدا عن الأساطير والخرافات التي يتناقلها الأهالي وما يعتقدون فيه وفي صاحبته من كرامات.

كلما تعمق الصحفي في البحث أكثر تكشفت له أسرار أخرى لا تقل أهمية عن سر العذيرة وقبرها الذي أتضح في الأخير أنه قبر كلبها "صمصام " وحتى جثة الكلب لم تعدموجودة فقد تم إنتزاعها لكن لا أحد يعرف متى.

العذيره هي بؤرة القص والمجرى الرئيس في الرواية نعم .لكن ترافقها عدد من الحكايات تتقاطع و تتوازى و تتناقض.

ومن تلك الحكايات :
- حكاية بهلول ابن الباهية وأبيه الباهوت.
- حكاية سلطان المسعود وابنه بلال.
- فضلا عن حكاية الصحفي برهان نفسه.

وقد جاء السرد بضمير الغائب " هو" الذي يتناسب تماما مع الحديث عن الغائبين في مجاهيل التاريخ . إلا أن الكاتب استخدم ايضاً ضمائر أخرى حسب مقتضيات السرد.

فعندما تتحدث الشخصيات عن ذواتها مثلاً يبرز ضمير " انا " وهو الأصدق والأنسب للحديث عن الدواخل والمشاعر الأنسانية المتباينة.

المحددات والعلامات العامة للرواية

رواية " العذيرة " رواية مركبة ومتعددة الطبقات زمانياً ومكانياً ما أن ينفذ القارئ من طبقة حتى يجد نفسه في طبقة اخرى.

وللرواية ايضا خيوط متعددة تتشابك وتتقاطع فيما بينها .يبدأ كل خيط بحكاية صغيرة لكن هذه الحكاية تكبر وتتسع لتنتهي بسر غير متوقع.

و بالمجمل يمكن تأطير الرواية بعدة محاور تشكل علامات لها كالتالي :

_ إحلال النسوية في مهمة ذكورية تقليدياً .. حيث وجدنا ولية لها اتباع و مريدون في مجتمع ذكوري صرف لا يعترف إلا بالأولياء التي تنتشر قبورهم في انحاء البلاد فيما تندر قبور الوليات.

_ التصوف بين مفهومه العرفاني والصفاء الروحي وما بين الدروشة والخرافات والأساطير والأوهام.

_ صراع الاحياء على الماضي ودفن العقول في قبوره وخرافاته وعدم التفكير بالحاضر أو المستقبل.

_ متوالية الحرب التي يلد بعضها بعضاً وما ينتج عنها من تداعيات متطرفة إجتماعياً وأخلاقياً.

_ الظلم والاستقواء بالسلطة لسلب حقوق الضعفاء والمغلوبين على امرهم.

تقنية التضاد و التوازي و التقاطع في الرواية

الكاتب أحمد السري استخدم في رواية "العذيرة" تكنيكاً مميزاً اعتمد على التقابل والتوازي والتقاطع في بناء الشخصيات والأحداث والمألات منها:

1- تبدأ الرواية بعبارة بارزة " ذات صيف في سنوات الحرب " ومن معطيات المناخ في اليمن أن الصيف يأتي محملا بالأمطار وموسم الزرع وإخضرار الحياة، لكن جشع الانسان و ظلمه لنفسه وللآخرين جعل الصيف موسماً للحرب والدمار ونبش القبور. وهذه أولى حالات التضاد في الرواية. وقد اختار الكاتب هذه البداية عن دراية ووعي متسلحاً بدرايته و تخصصه في التاريخ والحضارة. مؤرخاً و أكاديمياً.

2- ومن التضادات ايضاً إختيار اسم برهان يقابله اسم بهلول والبرهان يعني العقل والحجة والبصيرة. فيما بهلول يعني الجنون او إدعاء الجنون.
هذا على مستوى الاسم اما الوظيفة و الأشتغال فبرهان في الرواية صحفي إستقصائي عقلاني يبحث عن الحقيقة المجردة بعيداً عن غبار الأساطير والأوهام.

بهلول درويش مسكون بالخرافة وإدعاء مخالطة الجن والغيبيات وإنتظار العثور على كنز في قبر العذيرة المؤسطر.

التناقض لا يتوقف هنا، نلاحظه يستمر مع الشخصيتين كلما توالى السرد ولكل شخصية تناقضها الذاتي ايضاً. فبهلول مثلاً في الظاهر مجنون أو شبه مجنون، لكنه في الباطن عاقل وبالغ الحكمة والذكاء، وتذكرنا هذه الشخصية في الرواية بشخصية الشاعر العباسي ( وهب بهلول بن عمرو الصيرفي ) الذي تظاهر بالجنون في عصر هارون الرشيد للإبتعاد عن أمراء بني العباس والانصراف للزهد والتقوى.

لكن بهلول في " العذيرة " يزيد عليه أنه كتلة من التناقضات و الأزدواج .حيث بدأ درويشاً زاهداً يلبس الأسمال والخرق ويدعي مخالطة الجن. وفي نهاية الرواية نجده قد أصبح غنياً مترفاً يلبس أحسن الثياب ويتصرف ببرجماتيه مدهشة بعد أن تنقل بين البلدان حتى وصل الصين تاجراً في الأحجار الكريمة الصينية المقلدة، بالشراكة مع بلال ابن السيد سلطان المسعود.

3- السيد "الإمام "سلطان المسعود له تناقضاته في الرواية ايضاً حيث كان قاضيأ قاسياً وناهباً لأموال الأوقاف والزكوات المؤتمن عليها . وفي نهاية حياته أراد أن يكون زاهداً عابداً، وكان قد تورط في حكم بالإعدام على شخص برئ، اراد احد المتنفذين التخلص منه.

4- اما التضاد في شخصية "العذيرة " واسمها الحقيقي "عفة" عاشت في أواخر زمن الدولة الرسولية أبوها سايس الخيول الملكية . بدأت فارسة بارعة على قدر من الجمال تشبه الأميرات. أحبت ابن عمها أحمد. لكن ينتهي بها المطاف مشردة ثم ولية من أولياء الله الصالحين، لتموت عذراء تنسج حولها الحكايات الخرافية والأساطير ، وحول قبرها الذي اتضح أنه لم يكن إلا قبر كلبها "صمصام ".
تقابلها في الزمن الحالي شخصية "زخرف" بائعة القات التي أحبت عصام من خلال تردده على شراء القات منها في مدينة تعز ويرفض الأب تزويجهما فتهرب مع عصام إلى سلطان المسعود في مدينة الطيار " التربة " مدعية أنها فعلت الخطئة مع حبيبها فيعمل القاضي سلطان على زواجها من عصام رغم معارضة الاب . ويموت عصام في جدة السعودية إثر حادث مروري غامض .

ومن الملاحظ ايضاً أن "زخرف " خريجة تاريخ لكنها مؤمنة بكرامة العذيرة ومن مريديها حتى أنها لقبت نفسها "حارسة القبر " الذي صادفها الصحفي برهان البرهان عنده فأحبها وأحبته لتنتهي علاقتهما بالزواج والإنجاب . وتكتشف "زخرف" فيما بعد أن لها صلت قرابة بالعذيرة، وفق ما توصل إليه برهان خلال بحثه التاريخي.


التعالق والتوازي في الرواية

في "العذيرة " تبرز التعالقات والتوازيات من خلال بعض حكايتها، على سبيل المثال:

- قصة "عفة" مع ابن الامير الرسولي، تتوازي في الزمن المعاصر مع قصة "ورد" وزوجها المنصور و شيخ الوادي. ففي الاولى حاول الامير الرسولي الاستحواذ على عفة مستكثراً جمالها وبراعتها في الفروسية على ابن عمها أحمد وحاول قتله، لكن من قُتل في الأخير هو الأمير. وفي الثانية حاول شيخ الوادي المتنفذ الاستحواذ على زوجة المنصور "ورد " ودبر له حادث إعدام بالتواطؤ مع القاضي سلطان المسعود، فتقوم بعدها "ورد " بقتل شيخ الوادي انتقاماً لزوجها.

- حكاية اكتشاف الكلب صمصام لنبتتي الشفاء التي تداوت بهما عفت " العذيرة " اثناء تعرضها لجراح خطيرة. تذكرنا بالحكاية الشعبية التي تقول: إن تيساً لأحد الرعاة في جبل صبر هو من إكتشف نبتة القات ودلّ الراعي عليها، ولنبتة الشفاء علاقة عكسية مع نبتة القات الضارة.
غير أن القات والاعتقاد في قدرة قبور الأولياء على الشفاء،يشتركان في كونهما مخدر كل بطريقته.

الرواية والتاريخ في " العذيرة "

النص التاريخي يختلف عن النص الروائي. فالتاريخ يعتمد على المنهجية الثابتة والأدلة المادية القطعية. بينما الرواية نص متخيل وفق وجهة نظر الكاتب. و يمكن للرواية توظيف أحداث التاريخ كواجهات للسرد او متكأ له.

وفي رواية " العذيرة " استطاع الروائي أحمد السري توظيف التاريخ بصورة ذكية إحترافية، يجعل القارئ في حالة مواربة بين الوقائع التاريخية والخيال الروائي من خلال إحالة الحاضر على التاريخ واسترجاع التاريخ إلى الحاضر مستخدماً التعالق والتقابل والتوازي كما بيّنا أعلاه.

وليس صدفة إختيار الزمن الرسولي لقصة العذيرة ولا إختيار مدينة الطيار " التربة " و"يفرس" في جبل حبشي وقبر" أحمد ابن علوان" مسرحاً وعناوين للسرد.

ففي هذه المناطق تكثر قبور الأولياء وقد تعرضت للعبث والنبش في أحداث ثابتة تاريخياً، منها قبر الولي " أحمد ابن علوان، وبن علوان عاش في زمن الدولة الرسولية وهو أحد رموز الصوفية في اليمن، قبره تعرض للاعتداء والعبث عدة مرات ، أبرزها ما قام به أحمد حميد الدين حاكم تعز في الأربعينيات من القرن الماضي، حين هدًم شاهد قبر ابن علوان الفضي. واستولى على الألقاب التي أطلقها الناس على ابن علوان مثل "أحمد الباهوت .. أحمد ياجناه " وأصبحت ألقاب تطلق على أحمد حميد الدين فيما بعد . وكذلك تم العبث والنبش لقبر الطيار في مدينة التربة لاكثر من مرة في فترات زمنية متفرقة.

رواية العذيرة اشتبكت ايضا مع التاريخ في التطرق إلى حروب ما قبل ثورة ٢٦ سبتمبر وحرب الجمهورية والملكية .وحروب شطري اليمن قبل الوحده، وما بعدها، والحرب التي تعيشها اليمن حالياً ونحن في مطلع العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين.


الحبكة في "العذيرة "

إتسمت الرواية بحبكة متقنة رغم تعدد الخيوط والحكايات والأزمنة، لكن الكاتب لم يفقد السيطرة وأمسك بالخيوط كلها ووضع لكل حكاية تصاعداً درامياً مستقلاً دون الخلل بالتدرج الدرامي العام والعقدة الدرامية للرواية ، شاداً القارئ حتى النهاية.
رغم الإيقاع السردي البطيء نظرا لكثرة الاستطرادات و الاسترجات " فلاش باك " التي استخدمها الكاتب بكثرة.

الوصف: كان دقيقاً أحاط بتفاصيل الشخصيات والأماكن والمناخ وصًور بالكلمات الملامح والجبال والحواف والأودية والأشجار والزهور والأمطار والبروق والرعود والريح . وكأننا اما فلم توثيقي نراه ونسمعه.

اللغة : استخدم الكاتب في الرواية لغة فصحى. قوية وفخمة. لكنه تعثر أحياناً في بعض الاستعارات العتيقة منها على سيبل المثال وصفه لأثر الزمن على جسد المرواني - احد شخصيات الرواية - بقوله : " أناخ عليه الزمن بكلكله " وأناخ ، وكلكل من المفردات المتعلقة بالجمل . وكان امرؤ القيس قبل خمسة عشر قرنا قد استخدم مثل هذه الاستعارة في معلقته الشهيرة وهو يشكو تطاول الليل عليه " فقلت له لمّا تمطّى صلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل ....."

ختاماً : رواية " العذيرة " مليئة بالدهشة والمتعة والمعرفة وتستحق أكثر من قراءة.