مدى برس/ مركز الإمارات للسياسات:
في ظل تصاعُد تداعيات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وبحث الجانب الأوروبي والغربي آليات مختلفة للعقوبات الاقتصادية على روسيا لدفعها لوقف هذه العملية، اختلفت مواقف الدول المختلفة من اتخاذ خطوة إخراج روسيا من نظام سويفت العالمي، وذلك لما لهذه الخطوة من تأثير واسع النطاق ليس فقط على مستوى الاقتصاد الروسي، ولكن على مستوى الاقتصاديات المختلفة المتعاملة معه والمرتبطة به. وقد أعلنت المفوضية الأوروبية وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة التزامها بضمان إزالة مجموعة مختارة من البنوك الروسية من نظام "سويفت"، فيما سيتم تجميد أصول البنك المركزي الروسي، مما يحد من قدرة روسيا على الوصول إلى احتياطاتها الخارجية، لكن لم يتم الإعلان حتى الآن عن هوية هذه البنوك، كما تُرِكَ المجال مفتوحاً لإمكانية توسيع خطوة الفصل من نظام سويفت لتشمل المزيد من المؤسسات المالية الروسية.[1]
تُلقي هذه الورقة الضوء على أهمية نظام "سويفت" بشكل عام، وأهميته لروسيا بشكل خاص، وتداعيات خروجها من هذا النظام في حال إتمام هذه الخطوة، والبدائل المتوفرة لموسكو، والسيناريوهات المستقبلية لإمكانية التوسُّع في تنفيذ هذه الخطوة من عدمه.
نظام "سويفت": أهميته، ومَن يتحكَّم في إخراج الدول والمؤسسات المالية منه؟
تأسس نظام "سويفت"[2] عام 1973 وبدأ نشاطه فعلياً في عام 1977، وذلك في ضوء تطور التجارة العالمية ونموها بشكل متسارع. ويوفر النظام ميزات هائلة فيما يتعلق بحماية العمليات وسرعة التنفيذ، علاوة أنه أقل تكلفة من أساليب التحويل الأخرى، فضلاً عن كونه يشمل أكثر من 209 دولة، وآلاف المؤسسات المالية والبنوك (11507 مؤسسة حتى مارس 2020)، ولا يتركز عمل سويفت على تحويل الأموال فقط، ولكنه يعمل كنظام تراسُل آمن، حيث يرسل هذا النظام أكثر من 40 مليون رسالة يومية، إذ يتم تداول تريليونات الدولارات بين الشركات والحكومات.[3]
وعلى مستوى روسيا، فإن أهمية سويفت تأتي من أنه وسيلة التعامل المالي بين روسيا ومختلف دول العالم، وتعتمد عليه روسيا في تحصيل مداخيل قطاع الطاقة الذي يمثل نسبة 30% من الاقتصاد الروسي. وتمثل المدفوعات الروسية 1.5% من حجم التعاملات عبر نظام سويفت، وتعد روسيا ثاني أكبر دولة بعد الولايات المتحدة من حيث عدد المستخدمين لنظام سويفت بعدد يصل قرابة 300 مؤسسة مالية روسية، أي أن أكثر من نصف المؤسسات المالية الروسية أعضاء في سويفت.[4]
لقد تم إنشاء نظام سويفت من قبل بنوك أمريكية وأوروبية، كانت ترغب في ألا تسيطر مؤسسة واحدة على النظام المالي وتطبق الاحتكار، والشبكة الآن مملوكة بشكل مشترك لأكثر من 2000 بنك ومؤسسة مالية، ويُشرف عليها البنك الوطني البلجيكي، بالشراكة مع البنوك المركزية الكبرى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، مما يعني أن قرار إخراج الدول والمؤسسات المالية والمصرفية التابعة لها من سويفت يبقي في يد البنوك الأمريكية والأوروبية المؤسسة لنظام سويفت.[5]
روسيا هي ثاني أكبر دولة بعد الولايات المتحدة من حيث عدد المستخدمين لنظام سويفت، بعدد يُقارب 300 مؤسسة مالية روسية، وهو ما يُعادل أكثر من نصف المؤسسات المالية الروسية
الموقف الدولي من فكرة إخراج روسيا من "سويفت"
قبل أن تقرر الدول الغربية إخراج بعض البنوك الروسية من "سويفت" كان هناك جدل كبير حول هذه الخطوة؛ فقد أعلنت فرنسا تأييدها لاستبعاد روسيا من نظام سويفت للتحويلات المالية، وهو الأمر الذي تشاركه معها دول مثل أوكرانيا والتشيك وبريطانيا واليابان، فيما قالت ألمانيا إنَّها لا تعارض مثل هذه الخطوة، ولكنها تدرس العواقب المحتملة، إذ إنَّه من الصعب فنياً الإعداد لخطوة عزل روسيا عن نظام سويفت للمدفوعات الدولية بين البنوك دون وجود تأثير يشمل الدول المختلفة ومنها ألمانيا على مستوى المعاملات التجارية، حيث تعتبر ألمانيا ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا عالمياً. وقد بدأ الموقف الألماني يتغير مع تطور العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا واستهداف العاصمة كييف، حيث خفَّفت برلين موقفها، وأشارت إلى أنها تبحث عن وسيلة لإخراج روسيا من شبكة سويفت، وفي الوقت نفسه، تحاول تقليل الأضرار الجانبية.
من ناحيتها، أعربت الولايات المتحدة في البداية عن أنها لن تلجأ لخطوة إخراج روسيا من نظام سويفت في الوقت الحالي، وأبقت كل الخيارات مفتوحة وفقاً لتطور الموقف، وكانت العقوبات الأمريكية السابقة قد استهدفت عدداً من البنوك الروسية والقسم الأكبر من تعاملاتها اليومية في الصرف الأجنبي بقيمة حوالي 45 مليار دولار، كما استهدفت تلك العقوبات حوالي 80% من كل الأرصدة المصرفية في روسيا.[6]
التداعيات المحتملة لإخراج روسيا من نظام "سويفت"
1. على مستوى الاقتصاد الروسي: عندما يتم حجب دولة من نظام سويفت فإن حركتها المالية تصبح صعبة جداً ولا تستطيع القيام بالتحويل واستقبال الأموال، بما يؤثر على عمليات الاستيراد والتصدير ومختلف الأنشطة الاقتصادية، وفي حال فصْل روسيا عن نظام سويفت، فإن ذلك يعني استحالة إرسال الأموال إليها، بما يضع الشركات الروسية وعملاؤها - بما في ذلك الأوربيون - في أزمة واسعة تتأثر بها صادرات الطاقة أيضاً. كما سيقلص فصل البنوك الروسية عن سويفت من حجم المعاملات الدولية الخاصة بها، وسيؤدي إلى تقلبات أسعار العملات، وهروب رؤوس أموال هائلة إلى الخارج، وستفقد الشركات الروسية الدخول إلى المعاملات السلسة واللحظية التي يوفرها النظام، وستتأثر المدفوعات الخاصة بمنتجات روسيا المهمة في قطاع الطاقة والزراعة سلباً بدرجة كبيرة للغاية. ومن المتوقع أن تضطر البنوك الروسية إلى التعامل مباشرة مع بعضها البعض، ما يعني مزيداً من التأخير والتكاليف الإضافية، ويؤدي في النهاية إلى قطع الإيرادات عن الحكومة الروسية. ومن ناحية أخرى، فإن تأثير هذا القرار سيزيد بشكل هائل في حال شملت قائمة البنوك المنتظر إخراجها أكبر بنوك روسيا مثل "سبير بنك" (Sberbank)، و"في تي بي" (VTB Bank)، و"جازبروم بنك" (Gazprombank).[7]
وقد يدفع قرار استبعاد بعض البنوك -وليس كلها- من شبكة سويفت بعض الكيانات الروسية إلى التحول لبنوك ومؤسسات كبرى متعددة الجنسيات، بحيث تخرج من دائرة القرارات المستقبلية التي قد تزيد من قائمة الكيانات المالية الروسية المستبعدة من سويفت، ومثل هذا التحول قد يُسبِّب مشكلة للبنوك العالمية، لكن من الممكن التخفيف من حدة التداعيات إذا اقتصرت البنوك المُستبعَدة على البنوك المفروض عليها عقوبات بالفعل، وأتيح للبنك المركزي الروسي وقتٌ لنقل أصوله لجهات أخرى.
وللتعرف على ما يمكن أن يمثله الضرر الناتج من إخراج دولة بشكل كامل من نظام سويفت يمكن النظر للحالة الإيرانية، إذ اُتخِذَ قرار فصل إيران عن نظام "سويفت" في عام 2012، في ظل تشديد العقوبات الدولية عليها على خلفية برنامجها النووي، ما أدى لخسارتها نصف عائدات تصدير النفط، ونسبة تصل إلى 30 % من تجارتها الخارجية.
تأثير قرار إخراج روسيا من نظام "سويفت" العالمي لن يتوقف عليها وحدها، بل سيمتد إلى أهم الاقتصاديات المتعاملة معها، ومنها الاقتصاد الألماني على سبيل المثال
2. على مستوى الاقتصاديات العالمية الأخرى: نظراً لأن البنوك الروسية الكبيرة مندمجة بعمق في النظام المالي العالمي، قد يكون لمثل تلك العقوبات تأثير غير مباشر على أطراف أخرى، مما يلحق الضرر بشركاء تجاريين في أوروبا وأماكن أخرى، لكن سيضمن اختيار بعض البنوك الروسية أن يكون للعقوبات أقصى تأثير على روسيا، مع منْع التأثير الكبير لذلك على أوروبا، وستكون الشركات الأوروبية قادرة على الاستمرار في جمع الأموال المستحقة وشراء الغاز والنفط الروسيين.[8]
وسيكون الضرر واضحاً على بعض الدول العربية، ومن بينها الجزائر التي ستتأثر واردتها من الأسلحة الروسية، كما أن علاقة شركة سوناطراك الجزائرية مع شركات الطاقة الروسية ستتأثر بشكل كبير، إضافة إلى أن سلة الغذاء الجزائرية تعتمد بشكل ملحوظ على روسيا، والأمر نفسه سيحصل مع مصر فيما يتعلق بواردات القمح أو مختلف السلع الواردة من روسيا.
البدائل المتاحة لروسيا لمواجهة قرار الاستبعاد من "سويفت"
أنشأت روسيا شبكة خاصة بها اسمها "نظام نقل المراسلات المالية"، حيث أكد البنك المركزي الروسي أن عدد المراسلات على هذه الشبكة بلغ نحو مليونين في عام 2020، أي حوالي خُمس حركة التراسل الداخلية الروسية، ويستهدف البنك المركزي رفع النسبة إلى 30% عام 2023. غير أن الشبكة الروسية التي تُقيِّد عدد المراسلات، وتعمل في أيام العمل الأسبوعية فقط، واجهت صعوبة في ضم أعضاء أجانب إليها.[9]
من جهة أخرى، أكد مصرفي "سبير بنك" و"في تي بي بنك" إنهما مستعدان لإمكانية خروجهم من نظام سويفت، فيما سيجبر قرار الحظر من نظام سويفت البنوك الروسية على مزيد من الابتكار في التواصل مع النظام المالي الدولي؛ فمن الممكن أن تصبح المؤسسات المتعددة الجنسيات التي لها عمليات ضخمة في العملات والبنوك المتصلة بشبكة سويفت المراكز الجديدة للتعاملات المالية من روسيا مع الخارج، أو الاعتماد على نظام الدفع بين البنوك الجديدة في الصين CIPSأو اللجوء إلى استخدام العملات المشفرة، لكن هذه البدائل ليست آمنة أو قادرة على تقليل تداعيات الأزمة بشكل كبير.[10]
السيناريوهات المتوقعة
أ. فيما يتعلق بموقف إخراج المؤسسات الروسية من نظام "سويفت"
السيناريو الأول: إخراج جميع المؤسسات الروسية من نظام سويفت مع تطور العملية العسكرية واستمرار القتال، وهو ما يعني ضرراً مالياً كبيراً لروسيا وللعديد من الاقتصادات المرتبطة بالتعامل معها.
السيناريو الثاني: الاكتفاء بالقرار الحالي بفصل عدد مختار من البنوك الروسية كحلٍّ وسط لتقليل التداعيات الاقتصادية على الاقتصاديات المرتبطة بالاقتصاد الروسي، وعلى رأسها الاقتصاد الألماني.
ويبدو السيناريو الثاني مُرجَّحاً في ظل أن هذه الخطوة كانت من الأساس تعتبر تصعيداً عاليَ المستوى لمواجهة تطور العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، ولرغبة الدول الأوروبية في تقليل تأثير ذلك الأمر على اقتصاداتها.
أظهرت الأزمة الروسية-الأوكرانية الحاجة لوجود نظام مالي جديد موازٍ لنظام "سويفت" لتجنُّب إضعاف الاقتصاد العالمي، وتحييده عن التجاذبات السياسية
ب. فيما يتعلق بفاعلية القرار الحالي بإخراج عدد مختار من البنوك الروسية من نظام "سويفت"
السيناريو الأول: تأثير عالي المستوى على الاقتصاد الروسي نتيجة اعتماده بشكل كبير على هذا النظام في التبادل المالي والتجاري العالمي، خاصةً في تحصيل عائدات بيع منتجات الطاقة الروسية التي تمثل جزءاً أساسياً من الاقتصاد الروسي.
السيناريو الثاني: نجاح روسيا في تقليل تأثير القرار للحد الأدنى نتيجة لاستعدادها بنظام بديل لسويفت واعتمادها على آليات أخرى يمكن من خلالها تقليل فاعلية هذا القرار.
ويعد السيناريو الأول هو السيناريو المرجح، وذلك لمركزية نظام سويفت العالمي ضمن نطاق التبادل المالي والتجاري على المستوى الدولي، وبالتالي فإن الخروج من النظام يُعد ضربة قوية لأي اقتصاد يصعب معه تقليل التداعيات الناتجة عن ذلك، كما أن البديل الروسي لنظام سويفت يظل محلياً ولم يحظى حتى الآن بتعامل دولي كبير، وبالتالي لا يُمثِّل بديلاً آمناً أو حتى بديلاً قادراً على الحد من تداعيات الخروج من "سويفت".
ج. فيما يتعلق بمستقبل التعامل بنظام "سويفت"، ومدى حياديته في النزاعات المستقبلية
السيناريو الأول: استمرار نظام سويفت باعتباره نظاماً مالياً دولياً قوياً لا يمكن للدول الخروج منه أو إيجاد بديل له في ظل استقرار النظام وتعامل معظم الاقتصاديات الكبرى داخله.
السيناريو الثاني: تشكيل تكتل من الدول المختلفة التي سترى في "سويفت" نظاماً غير حيادي في النزاعات، وبالتالي ستتحسب تلك الدول من مستقبل استمرارها في النظام في ظل احتمالية دخولها نزاعات ترى أنها من متطلبات أمنها القومي، وهنا سيكون الحديث بشكل أساسي على دول مثل روسيا والصين والتي ستحاول جاهدة مستقبلاً في إنشاء نظام للتبادل المالي يخلصها من التبعية الكبيرة لنظام سويفت، والذي يعتبر أحد الأسلحة التي يمكن أن توجه لها في حال اختلفت أجندتها الخاصة بالأمن القومي مع التوجهات الدولية للقوى الفاعلة في نظام سويفت.
ويعتبر السيناريو الأول هو المرجح على المديين القريب والمتوسط في ظل استقرار ومركزية سويفت كنظام تبادل مالي دولي، لكن السيناريو الثاني سيبقى مطروحاً على المدى الطويل بالرغم من صعوبة تحقيقه، إذ إن الرغبة في الخروج من تأثير سويفت المالي واعتباره قيداً على السياسة الخارجية للدول قد يدفع في اتجاه بلورة ذلك السيناريو.
نظام "سويفت" سيظل مُسيطراً على المشهد المالي العالمي على الأقل خلال المديين القريب والمتوسط، في ظل مركزيته واستقراره، وتعامُل أكبر الاقتصاديات داخله
الخلاصة والتوقعات
قرَّرَ عددٌ من الدول الغربية إخراج بعض البنوك الروسية من نظام سويفت العالمي بعد جدل كبير بين هذه الدول نتيجة لاختلاف مواقفها من هذا القرار الذي يعتبر ضربة قوية لأي اقتصاد، كما أن التأثير لن يتوقف على نطاق روسيا وحدها بل سيمتد إلى أهم الاقتصاديات المتعاملة معها، ومنها الاقتصاد الألماني على سبيل المثال.
وفي ظل توسُّع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا سيزيد تأثير هذه الخطوة على الاقتصاد الروسي، ولن تنجح روسيا حتى بنظامها البديل لسويفت في تفادي التداعيات السلبية لمثل هذه الخطوة على اقتصادها، إلا أن هذه الأزمة أبرزت الحاجة لوجود نظام مالي جديد موازٍ لنظام سويفت لتجنُّب إضعاف الاقتصاد العالمي وتحييده عن التجاذبات السياسية، خاصةً في ظل أحادية القرار داخل أروقة منظومة سويفت. ومع هذا، فإن نظام سويفت سيظل مسيطراً على المشهد المالي العالمي على الأقل خلال المديين القريب والمتوسط، في ظل مركزيته واستقراره، وتعامل أكبر الاقتصاديات داخله