صنعاء/ مدى برس/ تقرير خاص:
منذ أن شددت مليشيا الحوثي الانقلابية قبضتها على مدينة صنعاء، ومناطق أخرى، وهي تباشر عملها بالأحقية في كل شيء ينتمي لها سلالياً، وإقصاء الآخرين.
ومنحت مليشيات الحوثي، الأسر ذات السلالة، سلطات ونفوذاً كبيراً بتعيينها في مناصب مهمة في الجيش والأمن والسلك المدني... إلخ، الأمر الذي مكن تلك القيادات من النفوذ والقدرة على توسيع عمليات نهب وسلب الأموال العامة والخاصة.
تعمدت الجماعة عقب انقلابها على الحكومة في 2014م، تعيين أشخاص تنتهي أسماؤهم بلقب من قبيل الشامي، المتوكل، الوشلي... إلخ، في كافة مؤسسات الدولة، بشقيها المدنية والعسكرية، حتى أولئك الذين درج تسميتهم بـ"المشرفين"، وهو منصب يعد الأهم والأكثر نفوذاً وسلطة، ويخول صاحبه إصدار القرارات الخاصة بعمل تلك المؤسسات والتصرف بأموالها وميزانياتها.
> النهب.. وسلطة اللقب
"ما تطُولهُ عيناهُ، تسعى يدهُ إلى نهبه"، هكذا هو منطق وسلوك الشخص الذي يُلقب بأحد الألقاب التي تعارفت جماعة المليشيا على وصفها بأنها من نسب "الهاشميين"، وبأنها سلالة الهدى، والمكلفة بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، حسب اعتقادهم.
منح اللقب الهاشمي قيادات في المليشيا سلطة السطو والنهب والاستحواذ على ممتلكات الآخرين، والاعتداء عليهم، وقتلهم في مواقف أخرى، حيث انتشرت ظاهرة البسط على الأراضي والعقارات التابعة لمواطنين، بشكل واسع في مناطق سيطرة الحوثيين من قبل المنتمين إلى اللقب "المقدس" كما يعتقدون.
وقبل أسبوعين قُتل شقيقان، وأصيب أخوهما الثالث، برصاص قيادي من السلالة، عقب رفضهم تأجير أرضيتهم له.
وسجلت تقارير حقوقية آلاف الانتهاكات، وعمليات قتل واختطاف واعتقال طالت مدنيين بينهم نساء، على أيادي قيادات وأفراد، من جماعة الحوثي، الذين يحتمون بسلطة اللقب، وقوة السلاح.
> التعليم والسلالة
طالت تعيينات الحوثي السلالية الجامعات والمعاهد والمدارس، الخاصة منها والحكومية، وسعت إلى أن يكون لها في كل مؤسسة تعليمية شخص منها، وما تعيين عادل المتوكل -الذي باشر عمله بإقصاء موظفيين- رئيساً لجامعة العلوم والتكنولوجيا إلا أنموذجاً بسيطاً على ذلك.
لم يقتصر الأمر على التعيينات وحدها، بل إن منطق السلالة طال طلاب الجامعة أيضاً، وأصبح يفعل فعله حتى في التحصيل العلمي، فمن كان لقبه من الأسر التي يُعتقد في هاشِميتها، يلقى حظاً من التقدير الدراسي ما يفوق مستواه المعرفي.
"إذا كان لقبك شرف الدين، أو الشرفي... الخ، بَتحصل على درجات بدون ما تمتحن"، يقول أحد الطلاب في جامعة صنعاء، لـ"مدى برس"، ساخراً من الوضع الذي وصل إليه حال التعليم الذي لم يكن بمنأى عن احتلال مليشيا الحوثي.
ويضيف الطالب، الذي نتحفظ عن ذكر اسمه: "إنّ أساتذة الجامعة السلاليين، يفاضلون بين الطلاب من حيث اللقب الهاشمي، ويمنحونهم تقديراً أعلى رغم تدني مستواهم الدراسي".
يتابع: "زميلي الذي ينتمي إلى بيت شرف الدين، حصل عند أحد الأساتذة الذين عينتهم الجماعة على درجة امتياز، رغم أنه لم يحضر محاضرة واحدة، وكذلك مستواه المعرفي متدنٍ، حيث نجد أن درجاته في مواد أخرى لدى الدكاترة الآخرين لم تتجاوز القبول".
> استثمار واستحواذ
وفي الجانب التجاري وفرت مليشيا الحوثي كل الإمكانيات المشروعة منها وغير القانونية، للأشخاص السلاليين وسهلت لهم كل السبل التي مكنتهم من تشييد استثمارات ورؤس أموال كبيرة.
وظهر في الفترة الأخيرة تجار وأصحاب رؤوس أموال وشركات تابعة لأشخاص من بني جِلدتهم، برغم الفترة الزمنية القصيرة، الأمر الذي لا يترك مجالاً للشك في اعتماد تلك الشخصيات على النهب والسطو، لتشيد تلك الاستثمارات.
وسمحت الجماعة لأبناء الأسر من ذات السلالة بالاستثمار في أملاك الدولة مثل: الأوقاف، والأماكن العامة، كما حصل بنادي ضباط الشرطة في صنعاء.
> الكيل بمكيالين
التمييز والإقصاء الذي تنتهجه الجماعة، ليس فقط ضد مواطنين لم يرحبوا بمشروعية الحوثي الانقلابية، بل إنه ألقى بظلاله على أولئك الذين تماشوا مع المليشيا وقاتلوا في صفوفهم أيضاً.
يتحدث أحد الناشطين الحقوقيين لـ"مدى برس": "إن الحوثيين يميزون بين الجرحى الذين يقاتلون إلى جانبهم في حربهم العبثية، حيث نجد أن الجرحى الذين لا ينتمون لذات السلالة لا يتم الاهتمام بهم بالشكل المطلوب، بقدر الاهتمام بغيرهم".
ويقول، "إن الجماعة تسارع إلى معالجة ومتابعة حالات الجرحى السلاليين، والاهتمام بهم، وتوفير كامل الرعاية والعناية بهم على أكمل وجه، كونهم (قناديل)، كما يحلو لها أن تصفهم".
بأسلوب مِليشاوي لا يبقي على شيئِِ إلا أحلّهُ واستباحه، مارست -ولا تزال- الجماعة إجراءات تتسم كلها بالإقصاء والاستحواذ والتمييز السلالي، وأحلت أفرادها الهاشميين في قيادة الدولة ومرافقها، وفي القطاع التجاري والاستثماري، ونهبت العام والخاص، وسلبت المواطن ماله وحقه.
إن الوهم السلالي في مخيال أفراد جماعة الحوثي الانقلابية، حدا بهم إلى التعامل به مع أفراد المجتمع، كمُعطى اجتماعي يتسولونه لتحقير واستصغار الآخرين؛ وكمعيار يقيسون به أحقيتهم في السلطة، وتعاليهم واختلافهم "المقدس"، عن المواطنين.