ملفات وتقارير

الجمعة - 06 مارس 2020 - الساعة 06:09 م بتوقيت اليمن ،،،

ترجمة: عبدالله قائد- لـ مدى برس:

ندوى الدوسري*- معهد الشرق الأوسط

سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على مدينة الحزم، عاصمة محافظة الجوف، في الأول من مارس بعد انقضاء أسابيع من الاشتباكات العنيفة مع القبائل المحلية وقوات الحكومة اليمنية. شن الحوثيون هجوماً واسعاً في منتصف يناير وحققوا مكاسب سريعة في منطقة نهم، وهي جبهة أمامية مهمة تبعد حوالى أربعين ميلاً شرقي العاصمة صنعاء، قبيل أن تتسلل جميع قواتهم تقريباً لتستولي على المدينة. وبعد مرور ستة أسابيع، أدى القتال إلى نزوح 25 ألف أسرة حتى الآن، ليبقى مصير مئات الآلاف من النازحين قاتماً، والذين اتخذوا من الجوف موطناً لهم خلال السنوات القليلة الماضية.

وآل العجز في الكفاءة، والافتقار لقيادة موحدة، وغياب استراتيجية عسكرية للحكومة اليمنية وللتحالف الذي تقوده السعودية إلى صالح الحوثيين.

تقع الجوف على بُعد حوالى 90 ميلاً في الشمال الشرقي لصنعاء، وهي المحافظة الرابعة الأكبر مساحة في البلاد. وتكمن أهميتها الاستراتيجية في كونها تتشارك حدوداً واسعة مع السعودية. ومن خلال الاستيلاء على مدينة الحزم، يمكن للحوثيين فتح ممر يسمح لهم بإرسال مقاتلين بسرعة من جميع أنحاء الشمال عبر صحراء الرويق إلى منشأة صافر النفطية، مما يمكنهم من الاستيلاء على نفط مأرب وغازها بل وعلى المدينة ذاتها، التي تعد المعقل الأخير للحكومة اليمنية. يمثل هذا التصعيد تطوراً عسكرياً كبيراً يمكن أن يغير قواعد الصراع في الحرب اليمنية. وتعتبر هذه النقلة العسكرية للحوثيين استراتيجية. كما أنهم قاموا بحشد قواتهم وصعدوا من هجومهم على عدد من الجبهات، بما فيها الضالع وأبين في الجنوب، وكذلك مدينة الحديدة الواقعة على الساحل الغربي. وفي حال لم يتم إيقافهم، فقد تتمكن الجماعة المتمردة من توسيع سيطرتها على جميع أنحاء البلد مرة أخرى، وهي نتيجة من شأنها أن تمثل نكسة كبيرة وتهديدا خطيرا لآفاق السلام في البلاد.

ويظل أهالي الجوف مستائين من الحكومة اليمنية والحوثيين على حد سواء. أطلق الرئيس اليمني (السابق) علي عبد الله صالح في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية على الجوف بمعية مأرب وشبوة تسمية "محور الشر"، متهماً إياها بإيواء الإرهابيين. وقد تم منح الأولوية للمحافظة في استراتيجية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في اليمن للفترة 2010-2012 تبعاً لذلك. وينظر اليمنيون من سكان المدن إلى قبائل الجوف على أنهم بلطجية وقطاع طرق عنيفون. كانت الجوف تاريخياً واحدة من أكثر المناطق المهمشة والمهملة في اليمن، وكانت محرومة من الخدمات الأساسية. خلال الزيارات التي قُمت بها إلى المحافظة بين عامي 2006 و2013، لم أر أي علامة فيها تدل على التمدن باستثناء الطريق السريع الضيق الذي يمر عبر المحافظة، ويربطها بصنعاء والمملكة العربية السعودية. لم تكن هناك شرطة، ولا محاكم، ولا مستشفيات، ولا كهرباء، ولا إمدادات مياه، ولا فنادق، ولا مطاعم، ولا علامة على الحداثة إطلاقاً. كان السفر عبوراً من محافظة صنعاء إلى الجوف يبدو كأنه عودة لقرون في الزمن إلى الوراء. كان صديقي الراحل علي العجي، وهو شيخ قبلي قُتل في واقعة قتل ثأرية في عام 2013، يبعث لنا مرافقاً ليأخذنا من عند (تقاطع الجوف)، الذي يربط صنعاء ومأرب بالجوف، لأن السفر إليها لم يكن آمناً.

وقال حميد العكيمي، الذي قُتل ولده وهو يحاول وقف التوغل الحوثي في الجوف الشهر الماضي، إن "صالح دمر الجوف بثلاثة أشياء: الفقر والقتل الثأر والجهل". وظلت قبيلته (الشعلان) تقاتل الحوثيين منذ عام 2008، كما تخوض صراعاً منذ 40 عاماً مع قبيلة همدان. وخلال زيارتي للمحافظة في عامي 2008 و2009، قال لي زعماء القبائل إن الحوثيين كانوا يتلقون الدعم من صالح. "كان صالح يرسل الذخيرة إلى همدان لمحاربتنا، كما يعطي الذخيرة لأجزاء من قبيلتي لمحاربة الحوثيين. وبهذه الطريقة قسمنا إلى نصفين. خسرنا في أحد الأيام 13 رجلاً يقاتلون الحوثيين وستة رجال آخرين يقاتلون همدان.

وقعت القبائل في شرك الصراع على السلطة بين صالح وخصومه السياسيين، وبين الحوثيين والإصلاح، وبين الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية. وجرت عدد من جولات القتال بين الحوثيين والقبائل المحلية بين عامي 2011 و2014، والتي قُتل خلالها مئات من رجال القبائل. دعم صالح الحوثيين ضد القبائل المحلية لإضعاف حزب الإصلاح، الذي كان له نفوذ قوي في المحافظة.

يقول صالح الروصع، وهو صحفي محلي ورجل قبلي من الجوف أصيب في القتال لطرد الحوثيين من محافظته في عام 2016: "لقد كنا في صراع عنيف منذ عام 2011 ولم يهتم أحد لنا، واجهنا الحوثيين والحرس الجمهوري التابع لصالح منذ عام 2011، ولم تتدخل الدولة لحمايتنا. وأضاف الروصع: "في عام 2014 رفض وزير الدفاع (في حكومة عبد ربه منصور هادي) دعمنا ضد الحوثيين". وفي زيارتي الأخيرة إلى الجوف، كان شجاعة العجي، وهو أحد رجال القبائل المحلية من قرية الروض، يتذكر بمرارة حينما استهدفت المقاتلات الحكومية في شهر سبتمبر 2014 ثلاثة رجال وأصابت عديداً آخرين بجروح دائمة، بمن فيهم هو بذاته، أثناء محاولتهم وقف توغل للحوثيين. ويشعر رجال القبائل بالاستياء من أن الدولة، في عهدي صالح وهادي، اختارت إبرام اتفاقات مع الحوثيين بدلاً من حماية ناخبيها من عدوانهم.

يشعر أبناء الجوف والكثير من اليمنيين بشعور عميق بالخيانة. خلال الحرب، برزت الجوف ومأرب كمنطقتين مستقرتين في البلاد، لكن الحكومة والتحالف الذي تقوده السعودية فشلا في حمايتهما من الحوثيين. ووفقاً للسلطات المحلية، أصبحت مأرب والجوف موطناً لأكثر من ثلاثة ملايين من النازحين داخلياً من جميع أنحاء اليمن، هرب العديد منهم من ظروف قاسية في الشمال ومن ملاحقة الحوثيين. زرت مأرب والجوف لعشرات المرات خلال عامي 2018 و2019، ودهشت بالتحول المُذهل الذي مرت به المحافظتان مع تولي السلطات المحلية مسؤولية الحكم بعد انهيار الحكومة المركزية. لقد أتاح انتهاء حكم نخبة صنعاء فرصة للتنمية في المحافظتين اللتين هما في أمس الحاجة إليها.

وبحلول عام 2018، كان لدى الجوف قوة من خدمة الشرطة نجحت في إرساء الأمن. ولأول مرة في تاريخها، كان لدى الجوف محكمة قامت بحل حوالي 1000 قضية، معظمها يتعلق بقضايا الأراضي. كما افتتحت الجوف أول جامعة حكومية لها، بالإضافة إلى جامعة خاصة تضم أكثر من 700 طالبة. واستفادت السلطات المحلية من الضرائب المحلية لدفع المرتبات والتكاليف الإدارية للشرطة والمحكمة والجامعات والمرافق الصحية ضمن خدمات أخرى. وظهرت مجموعات للمجتمع المدني المحلية يديرها شبان وشابات، وشاركت بفعالية في دعوة السلطات المحلية وقوات الأمن إلى تحسين الخدمات والحكم الرشيد. ضمت مدينة الحزم أيضاً سوقا نابضا بالحياة ومصانع صغيرة، وذلك بفضل المشردين داخلياً والاستقرار النسبي الذي تحقق. وقد وضعت السلطة المحلية خطة عمل للمدينة، وكان تمهيد الشوارع لا يزال جارياً. وفي حين خيم الظلام على اليمن، كانت الجوف هي المحافظة الوحيدة التي تمتلك إمدادات كهرباء على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. يشعر أهالي الجوف بالاعتزاز الشديد لكونهم قدموا ملاذا آمنا للعديد من المدنيين اليمنيين حينما سقطت الحكومة المركزية.

وينذر الاستيلاء العسكري للحوثيين على الجوف بقلب هذه المكاسب، وهو السبب في حمل العديد من رجال القبائل السلاح ومحاربتهم لهم لإيقافهم عن حدهم. منذ عام 2008 ومع توسعهم في المحافظة، استخدم الحوثيون أساليب قاسية ضد خصومهم القبليين في الجوف، بما في ذلك الإعدامات والاخفاء القسري وتدمير المنازل ومحاصرة القرى وتشريد السكان. نفذ الحوثيون اعتقالات واسعة النطاق، وفجروا منازل بالمتفجرات، وأضرموا النيران داخل المرافق العامة في المناطق التي تم الاستيلاء عليها مؤخرا، ونهبوا جامعة الجوف والمستشفى المحلي. قال العكيمي: "نحن نقاتل من أجل كرامتنا، لحماية بيتنا وأرضنا. قُتل ابنه خلال المعركة الأخيرة لوقف توغل الحوثيين في الجوف، ووالده هو شيخ بارز ومحافظ للجوف. وأضاف: "نريد السلام إلا أننا أًجبرنا على القتال، الحوثيون هم من جاء إلينا، وإذا كانوا يريدون السلام، فنحن شعب سلام، وإذا ارادوا الحرب فنحن أيضاً مقاتلون جيدون."

فشلت الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية في توفير الدعم العسكري الكافي للقبائل المحلية لصد الحوثيين. وفي حين يمتلك الحوثيون أسلحة ثقيلة متطورة، مثل الصواريخ الباليستية والحرارية وأرض جو وصواريخ سكود وصواريخ كروز المضادة للسفن، فضلاً عن الدبابات، تستخدم القبائل والقوات اليمنية في الغالب أسلحة عادية لا تضاهي ترسانة الحوثيين. "في إحدى الأيام، أحرق الحوثيون 41 مركبة وخسرنا 33 رجلاً. لديهم الأسلحة ليسببوا لنا الكثير من الأضرار، نحن نعتمد على مساعدة الضربات الجوية لنا، بيد أن الغارة الجوية يمكنها أن تقصف مركبة أو سيارتين حوثيتين فقط"! وأضاف: "المقدمات تدل على النتائج!". فضلاً عن أن الخسائر في صفوف المدنيين نتيجة للغارات الجوية تخلق الاستياء ضد الحكومة والتحالف، وتخدم لصالح الحوثيين. في الشهر الماضي، تسببت غارة جوية للتحالف في الجوف بقتل ما لا يقل عن 31 مدنيا، بينهم 19 طفلا. قال أحد رجال القبائل المحليين في الجوف: "تخدم هذه الغارات الجوية الحوثيين، بدلاً من أن تساعد رجال القبائل!".

وقد صبت عدم الكفاءة، وغياب القيادة الموحدة، وغياب الاستراتيجية العسكرية من قبل الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية في خدمة الحوثيين. وذكر رئيس المناطق العسكرية الست في الجوف في رسالة له وجهها إلى وزير الدفاع أن لواءين حكوميين رفضا الاشتباك مع الحوثيين. وأخبرت المصادر المحلية في الجوف كاتب هذه المقالة أن الحكومة لم ترسل أي تعزيزات كبيرة إلى الجوف، وتركت القبائل لوحدهم يواجهون الحوثيين لمدة 45 يوماً تقريباً. قال عبد ربه الشايف، وهو زعيم قبلي من الجوف: "لقد تركونا في وضع صعب (وبلا موارد) لنواجه لوحدنا الحوثيين." يعتقد ضابط في اللواء 155 في الجوف أن الخلافات بين التحالف والحكومة ساهمت في سقوط حزم الجوف. وقال: "فوجئنا أنه حينما تصاعد القتال، لم يتدخل الدعم الجوي للتحالف كما كان من قبل، وقبل غروب الشمس مباشرة، سحب التحالف أسلحته من وسط المحافظة، مما تسبب بإثارة بلبلة وسط الجنود والمواطنين في المدينة!".

إن التقدم العسكري للحوثيين في الجوف هو حصيلة لمشكلة أكبر بكثير. دخلت السعودية حرب اليمن بهدف معلن هو هزيمة الحوثيين، لكنها لم يكن لديها استراتيجية أو خطة خروج. كان رد التحالف على خطر الحوثيين هو ردّ فعل في الغالب وافتقد إلى التماسك. كانت لدى السعودية والإمارات أجندات متباينة تسببت في انقسامات داخل مختلف القوى المناهضة للحوثيين، حيث دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات طارق صالح ضد هادي والإصلاح. فشل الرئيس هادي والسعوديون في توحيد قوات الحكومة اليمنية لمحاربة الحوثيين. والأخطر من ذلك، يبدو أن هناك شرخاً عميقاً بين التحالف الذي تقوده السعودية والحكومة اليمنية، والذي انعكس على هيئة تشرذم خطير للقوات اليمنية، والذي أدى لخدمة الحوثيين. وكما أوضح الرئيس السابق لإدارة التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع اليمنية اللواء محسن خصروف: "لم نعد نعرف من هو صاحب القرار، أصبح الجيش اليمني مشلولاً، بلا قيادة موحدة. ومفهوم القيادة والسيطرة غائب، هناك رؤوس مختلفة ذات ولاءات متباينة داخل الجيش اليمني". وكما يشير تقرير فريق الخبراء اليمني الأخير، فإن "التحالف قوض في بعض الأحيان الحكومة اليمنية. وإجمالاً، لم يكن الدعم المقدم من التحالف للقوات النظامية التابعة للحكومة اليمنية كافيا، مما أدى إلى عجز الحكومة عن القيام بعمليات عسكرية كبيرة."

مرت خمس سنوات تقريبا منذ أن شن التحالف الذي تقوده السعودية حملته العسكرية في اليمن. بدأت المملكة مؤخراً، وهي بحاجة ماسة لإنهاء الحرب، التفاوض مع الحوثيين. ولدى السعوديين النفوذ ليُلقموا هادي وحكومته اتفاقاً سياسياً متهوراً، بل واليمنيين جميعهم! لكن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يمكّن الحوثيين من تحقيق نصر عسكري باعتراف سياسي دولي، الأمر الذي من شأنه أن يحفز العنف ويدفع اليمن أكثر نحو دورة جديدة من الصراع أشد وطأة (من سابقاتها). إن إنهاء الحرب في اليمن يتطلب بالضرورة تعزيز وتوحيد هيكل القيادة والسيطرة للقوات اليمنية لمواجهة شهية الحوثيين للتوسع خارج الشمال وكبحهم. ويتعين على السعوديين استخدام نفوذهم لتحقيق ذلك. يجب اتخاذ إجراءات جادة على الفور وعلى وجه السرعة لوقف التقدم العسكري للحوثيين نحو مأرب. وإذا لم يتم وقفهم، فإن المملكة العربية السعودية تخاطر بزعزعة الاستقرار في اليمن وتشرذمه، حيث ستستمر الميليشيا المدعومة من إيران في تشكيل خطر على حدودها الجنوبية والمنطقة بشكل أوسع.



--------------

*ندوى الدوسري هي زميلة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط. وعملت كمديرة قطرية لليمن لدى مركز المدنيين في النزاعات، وهي زميلة رئيسية غير مقيمة في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، ومديرة مؤسسة شركاء اليمن، وهي مؤسسة محلية تابعة لشركة بارتنرز غلوبال.