ملفات وتقارير خاصة

السبت - 07 مارس 2020 - الساعة 10:47 م بتوقيت اليمن ،،،

صنعاء/ مدى برس/ تقرير خاص:

تحارب مليشيا الحوثي التعليم؛ وتسعى إلى إنهائه، من خلال تعمدها الاعتداء على مناهج العلم وكوادره.

ودرجت الجماعة السلالية على تزييف الوعي بالخرافة والكذب، لتتمكن من استلاب عقول الأفراد واستقطابهم لصفوفها، بأفكار خرافية، طائفية مذهبية، غير قابلة للشك في عقول المنضوين في كنفها، ولذلك فالعلم يهدد فكرها ولا بد من محاربته.

> مواد بلا محتوى

وفي مسعى منها لتحقيق أحلامها راحت المليشيا تعتقل وتعتدي وتقصي وتُهجّر وتقتل كل أكاديمي في جامعة صنعاء لا يتماشى مع رؤى الحوثي، وحاولت فرض مواد جديدة لتحل محل المقررات التي وضعها أساتذة الجامعة السابقون، كل من موقعه العلمي.

ويتحدث طلاب في جامعة صنعاء، من كليات مختلفة، أن أغلب المواد التي كانت مقررة في السابق، تم تغييرها بأخريات متشابهة في التسمية ومغايرة في المضمون، ولا تحتوي على مادة علمية.

وأتى تغيير المواد في الكليات عبر أشخاص عينتهم الجماعة أساتذة في الجامعة أغلبهم لا يحملون شهادة الدكتوراة، وما إن يُعهد إليه بتدريس مادة ما سرعان ما يغيرها بمقرر آخر يحمل الاسم نفسه، ويفتقر إلى المضمون الذي يوحي به اسم المادة.

يقول طالب في كلية التجارة لـ"مدى برس"، إنه عندما التحق بالجامعة، كان على اطلاع بالمواد التي سيدرسها في مستويات متقدمة، عقب التخصص، إلا أنه تفاجأ في مستوى رابع بقسم العلوم السياسية بالتغيير الذي طرأ على تلك المواد.

وأضاف، "أنا الآن في مستوى رابع ومتخصص في العلوم السياسية، وكنت محتفظاً بمواد قررها أساتذة قد هاجروا إلى الخارج، والآن تغير بعض الدكاترة، وتغيرت معهم تلك المواد الخالية من أي مضمون تماماً".

ويرى مراقبون، أن الجماعة تستهدف التعليم وتسعى إلى تدميره بشكل أو بآخر، ولذلك استخدمت أشخاصاً يتبعونها وعينتهم بالجامعة، ومن خلالهم تم تغيير المواد، حتى إذا ما ارتفعت الأصوات بررت ذلك بأنه فعل شخصي، خاص بالدكتور وليس بالمنظومة المليشاوية.

وقالوا "صحيح أن أساتذة الجامعات هم الذين يختارون الكتب التي يُقررونها كمادة تدريسية للطلاب في الكليات، لكنه اختيار يخضع لمعايير علمية، بحيث يكون أفضل ما يمكن تقديمه للطالب، بالإضافة إلى أن الدكاترة يضيفون مراجع على تلك المقررات".

وأضافوا: "ما هو حاصل اليوم، هو أن الأشخاص الذين عينتهم الجماعة دكاترة في الجامعة، غيروا تلك المواد بما يتوافق مع مستواهم المعرفي، وأيضا بما يخدم مليشيا الحوثي في تجهيل الطلاب، وتقديم قوالب فارغة لهم، ولا تحتوى على أي مضمون".

المراقبون اعتبروا أن هذا السلوك "متعمد وبطريقة ممنهجة وليس عفوية أو خاصة بشخص الدكتور، لأن من أهم ما تسعى إليه الجماعة هو حرصها على إفراغ التعليم من محتوياته، بل إنه إذا كان إغلاق الجامعة لن يثير الغضب الشعبي، وسخط الرأي العام، لفعلت".

> التدريس خارج الدرس

العمل على إفراغ التعليم من محتواه، أسلوب واحد فقط من هدف الجماعة، فهناك إلى جانب ذلك، "التدريس خارج الدرس"، وهذا يعني أن الأشخاص المعينين كأساتذة في الجامعة، ينشرون فكر الجماعة الطائفي المذهبي في أوقات المحاضرات.

ويتحول الدرس الذي من المفترض أن يلقيه الدكتور والمقرَّر في المادة الدراسية، إلى درسِِ يتحدث عن أمريكا وإسرائيل، والجهاد والشهادة، وفضل أهل البيت وأحقيتهم في الحكم...

ولم يكتف أولئك الأشخاص الذين اعتبرتهم الجماعة في عداد الدكاترة بنشر أفكار المليشيا في قاعات الدرس داخل الكليات، بل يعمدون -وخاصة عمداء الكليات- إلى جمع عدد من طلاب تخصصِِ ما، في قاعة واحدة، لإلقاء محاضرة تتضمن أفكار الجماعة الطائفية.

وفرضت مليشيا الحوثي، في وقت سابق، مناهج جديدة على كليات الجامعة، ومنها "الصراع العربي الإسرائيلي"، وهو -كما يتحدث الطلاب- يحتوى على أفعال وأقوال حسين بدر الدين الحوثي، وليس له أي علاقة بعنوانه.

> دكتور بلا دكتوراة

ليس هناك مايدعو للغرابة عندما نجد أن أكاديمياً جامعياً عينته جماعة الحوثي، في إحدى الكليات، لا يعي ما الذي ينبغي له أن يقوم به، خصوصاً أنه لا يمتلك مؤهلاً علمياً يخوله الاضطلاع بدوره، كماجستير أو دكتوراة، إلا فيما ندر.

ويشكو طلاب الجامعة من رداءة المستوى المعرفي لأولئك الدكاترة المُعينين من الجماعة، حيث أصبح أغلبهم يُوكلون مهمة التدريس للطلاب، وما عليهم سوى الاستماع فقط، حتى إنهم لا يدركون الأخطاء التي قد يقع فيها الطالب أثناء الشرح.

وعمد أغلب الدكاترة الذين عينتهم المليشيا، إلى إعطاء الطلاب مجموعة أسئلة، وأحياناً قد لا تتجاوز الثلاثة، قُبيل الامتحان، ليتم حلها باعتبار أن الاختبار سيتضمن جزءًا من تلك الأسئلة، حسب ما أفاد به طلاب في الجامعة.

وإلى جانب ذلك ارتفعت أصوات طلاب في بعض الكليات من التمييز الذي درج عليه كل الدكاترة المكلفين من الجماعة، فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي، ما دفع البعض إلى رفع شكوى للجامعة جراء ما تعرضوا له من ظلم، إلا أنهم لم يتلقوا أي رد.

> الاعتداء على كوادر الجامعة

ومن أجل أن تُفرغ المليشيا ما تبقى من كوادر جامعة صنعاء، لجأت إلى التضييق على الأكاديميين والدكاترة، والاعتداء عليهم حيناً، واعتقالهم وسجنهم أو منعهم من مزاولة عملهم، أحياناً أخرى.

الدكتور علي باعلوي، أستاذ علم المعرفة (بقسم علم الاجتماع) في كلية الآداب جامعة صنعاء، منعته مليشيا الحوثي من دخول الكلية، لأنه اعترض، فقط، على العميد الجديد المكلف من الجماعة، رافضاً قرار التعيين، لأن قانون الجامعة ينص على أن أي عميد لا بد أن يكون حاملاً للدكتوراة.

وبأسلوب ميليشاوي، كعادتها، داهم مسلحو الجامعة، قاعة الدرس، أثناء محاضرة كان يلقيها العالم باعلوي، لطلاب علم الاجتماع، وطالبوه بمغادرة الكلية، بدون أي مسوغ قانوني.

منهم من مُنع من مزاولة عمله كباعلوي، لأنه اعترض على تعيين عميد لكليه الآداب لا يحمل شهادة الدكتورة، ومنهم من اعتدوا عليهم، لأنه نطق بما أوحى به العلم، كأحد أساتذة العلوم السياسة في كلية التجارة، حيث اعتدى مسلحو الجماعة على الدكتور وهيب المقطري، أثناء حديثه عن "طرق الوصول إلى الحكم"، في إحدى محاضراته بقاعة الدرس.

وقال أحد الطلاب، إن الدكتور ذكر أن إحدى الطرق المؤدية إلى الحكم هي الانقلاب، وبعد دقائق اقتحم ثلاثة من مسلحي الجماعة القاعة، وأخرجوا الأستاذ واعتدوا عليه.

وتعرضت المعيدة بقسم العلوم السياسية هبة يوسف الصلوي، لقذف علني أمام الزملاء والطلاب، لمجرد تقديم تحليل مختلف عن قناعة أحد الدكاترة المعينين من قبل جماعة الحوثي.. ولاقت الحادثة استنكاراً واسعاً في أوساط الطلاب وأساتذة كلية التجارة، وطالب دكاترة جامعة صنعاء بالتحرك لحماية صرحها العلمي وإرساء قيم الحوار والاختلاف، وتعددية التحليل والقراءة والرؤى.

واعتبر حقوقيون، أن هذه الحادثة جريمة ليس بحقها وحسب، بل بحق تقاليد وقيم العلم، وفضائل وصفات العلم والتعليم.

قالت ناشطة حقوقية لـ"مدى برس"، إن "الحوثي يمارس الفرز المناطقي الجهوي السياسي، ويتعامل مع الآخرين وفقاً لشهادات ميلادهم، ويعادي أو يُسالم بناءً على اللهجة والمناطقية".

ورأت الناشطة أن "تلك الممارسات خطيرةٌ ومقدمة للتطهير بمختلف مسمياته، وخطوة نحو تدمير كل الأهداف الوطنية".

لم تقتصر انتهاكات المليشيا ضد الأكاديميين والأساتذة داخل الجامعة فقط، بل طالتهم إلى منازلهم، حيث اقتحم مسلحو الجماعة، بيت الدكتورة في كلية التربية حفصة إبراهيم، نهاية الأسبوع الماضي.. ونهبت المليشيا محتويات منزل الأستاذة حفصة ــ المشاركة في اللغة الانجليزية بكلية التربية، بجامعة صنعاء، وزوجة الدكتور صالح السنباني ــ الواقع في حي شملان شمالي المدينة. وطلب المسلحون من المتواجدين في بيت الدكتورة مغادرة المنزل.

وناشدة الأستاذة أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء، الوقوف إلى جانبها في مطالبتها باستعادة منزلها ورفض الاستيلاء عليه من قِبل مليشيا الحوثي.

جامعة مفروغة من أساتذتها، وأساتذة بلا علم، وتعليم خارج العلم، ومقررات بلا مضمون، ومنهجية لتدريس الجهل... هكذا هو حال جامعة صنعاء، الصرح العلمي الأول في اليمن، بعد سيطرة مليشيا الحوثي، التي تعمدت -وما زالت- أن تُعلي من فكرها الديني المتطرف، وتُجمّد وتحجر، كل ما من شأنه أن يفند منظومتها الإرهابية الكهنوتية.