نافذة على السياسة

الإثنين - 27 فبراير 2023 - الساعة 05:34 ص بتوقيت اليمن ،،،

مدى برس/ خالد اليماني:


تتفاوت قراءة الأطراف المعنية لما يحدث في الداخل اليمني بين من يرى بارقة أمل في سلام يتبدى من خلف غبار حرب السنوات الثماني، ومن يؤمن بأنها فسحة المقاتل استعداداً لجولات جديدة من المعارك الدامية، ومن يتطلع إلى أي مخرج من هذا المستنقع الدامي كيفما كانت حساباته، ومن يتوقع أن يسلم له خصومه بالنصر المؤزر في حرب لم ينتصر فيها، ومن يرى أن طريق الخروج من نفق الحرب ستكون طويلة وشاقة ومؤلمة.

وإن كان من حقيقة نتكئ عليها في تقييم الوضع الحالي هي أن اليمن يعيش لحظات من اللاحرب، ولم تغب لغة الحرب والتجييش عن السردية الرسمية لأطراف النزاع، فالتصريحات التي صدرت أخيراً عن زعيم الحوثيين تؤكد أنهم في حال حرب، ولا وجود لاتفاق هدنة، وكل ما يجري بنظره هو جهد لخفض التصعيد مع التحالف ضمن المساعي العمانية. وتواكب تصريح الحوثي مع عرض لمزيد من العتاد العسكري من صواريخ ومسيرات تلقتها الحركة عبر التهريب من إيران، الدولة الراعية للحوثيين، في خرق لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وفي المقابل، يزداد تفريخ التشكيلات العسكرية في مناطق سيطرة مجلس القيادة الرئاسي، وآخرها "قوات درع الوطن" بقيادات من خارج المؤسسة العسكرية. وبهذا، يزداد عدد التكوينات المسلحة من الأحزمة الأمنية، وقوات النخبة، والدعم والإسناد، وكلها لا تلتزم قيادة وعقيدة واحدة، حيث تجاوزت أعداد منتسبيها خلال السنوات الأربع الماضية مئتي ألف مقاتل، فيما يتوقع بلوغ قوام القوات الجديدة عشرين ألفاً، وكلها تنتشر في جنوب اليمن، حيث يزداد التوتر أخيراً، في تناقض بين مع مخرجات مؤتمر "الرياض 2" التي أوصت بتشكيل لجنة عسكرية لتوحيد الأجهزة العسكرية والأمنية للشرعية اليمنية.

وفي الوقت الذي يقتنص الحوثي كل الفرص التي توفرها حالة اللاحرب، مستغلاً الاتصالات التي يجريها التحالف معه عبر الوساطة العمانية، تتعزز لديه أوهام المنتصر في حرب لم يكسبها في أرض المعركة، وتعزز قناعاته بأن التحالف بات جاهزاً لتقديم التنازلات تلو التنازلات، لأنه قرر طي صفحة الحرب اليمنية التي باتت جرحاً مفتوحاً مكلفاً وموجعاً.

الواقع الذي يجب ألا يغيب عن ذهن صانع القرار الحوثي هو أنه لم يحقق النصر، على رغم أن آلة الدعاية الحوثية التي تديرها إيران و"حزب الله"، تصوره وكأن أميركا وإسرائيل هي من تحاربه، وأنه صار على مقربة من هزيمة واشنطن في اليمن، متنكراً لحقيقة أن من يقاتله على الأرض هم إخوته اليمنيون الذين لا يقبلون ولن يقبلوا باغتصابه لدولتهم على رغم أنهم قبلوا به شريكاً في العملية السياسية الجامعة.

لكن، الحقيقة التي لا تقبل الشك أن ضعف وتشظي الصف الوطني في مناطق سيطرة مجلس القيادة الرئاسي والتوتر الماثل أمامنا في المحافظات الجنوبية، وتنازع الأجندات، وفشل القيادة في تنفيذ مخرجات "الرياض 2" في كل المجالات، هو من يعزز وهم الانتصار الحوثي.

ومع استحالة تحقيق أي نصر حوثي بالقوة سيكون معه من المستحيل تحقيق ذلك النصر عبر الوساطة العمانية، والاستمرار في المساومة التي تهدف إلى تحقيق أقصى الفوائد من المفاوضات مع الرياض، فالتحالف الذي تقوده السعودية يدرك أبعاد وتعقيدات معادلة السلام في اليمن، وأبعاد تلك المعادلة على الداخل اليمني والإقليم، بالتالي لن يعطي للحوثي أكثر مما يعطيه لكل أطراف النزاع لضمان عدم سقوط اليمن بيد طرف يعيد إنتاج حال العداء واللااستقرار في اليمن، ويهدد الأمن والاستقرار الإقليمي.

ومن هنا، فقد أكدت في بداية يناير (كانون الثاني) الماضي في مؤتمر بالعاصمة الأميركية، أن الخيار الأفضل للتحالف هو التحرك الاستباقي وعدم الاستسلام لمطالب الحوثي، وهو يدرك أنها مطالب في تغير وتصاعد دائم، والاكتفاء بالمعالجات الإنسانية الضرورية قبل دعوة الجميع للعودة إلى طاولة المفاوضات تحت رعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي ما زال موحداً حيال الأزمة اليمنية، على رغم التقلبات الدولية، هذا مع قناعتي بشلل أداء المبعوث الدولي، وتحوله إلى متفرج ينتظر أن تأتي الأطراف إليه بمعادلة الحل حتى يباشر بالترويج لها.

وفي الاتجاه الآخر، يجب الضغط لتنفيذ مخرجات "الرياض 2"، ودعم الإصلاحات العميقة في الشرعية، وتشكيل حكومة مصغرة تعمل على تنفيذ مخرجات "الرياض 2"، والتحضير لعملية السلام، والتركيز على تطوير آليات الاستدامة الإنسانية في كل مناطق اليمن، سواء تلك الواقعة تحت سيطرة المجلس الرئاسي أو تحت سيطرة الحوثيين، وإعادة النظر في وظيفية مجلس القيادة الرئاسي، والعودة إلى الدستور لتعيين رئيس ونائب للرئيس وتخصيص وظائف محددة لبقية القيادات الحالية في المجلس.

أربعون يوماً تفصلنا عن العام الأول لتكليف مجلس القيادة الرئاسي، فهل سيكون بمقدور المجلس تقديم جردة حساب إلى الشعب اليمني يستعرض فيها نجاحاته وإخفاقاته في إصلاح المؤسسات السيادية، وبشفافية ضرورية، في ضوء مخرجات "الرياض 2"، أم أننا سنستمر في اجترار تجربة الرئيس هادي التي تميزت بسبات متواصل؟

ومن جانب آخر، يكاد ينقضي العام الأول للهدنة اليمنية، ولم تتمكن الأطراف من إنجاز اتفاق لوقف الأعمال العدائية كمقدمة للولوج في عملية السلام التي قلت في مناسبات عديدة إنها ستكون طويلة وشاقة، ولن تخلو من الانتكاسات، ولن تكون خواتيمها معلومة مسبقاً، لكنها ستكون أفضل خيارات اليمنيين للخروج من نفق الحرب المظلم.

وبعيداً من نبرة الصوت الإملائية التي سمعناها من زعيم الحوثيين وهو يتناول حال الهدنة، فهو يدرك في داخله أن دولة الملالي حان أفولها، وأن شركاء الوطن يمدون أيديهم له لإنقاذ اليمن، وأنه في نهاية المطاف سيجلس على طاولة واحدة مع مجلس القيادة الرئاسي لتحقيق السلام، وليس كما يفترض واهماً بأنه سيحقق أهدافه من خلال مفاوضات سيادية تجمعه بالتحالف.

لقد عمل التحالف منذ اليوم الأول لبدء الحرب للبحث عن مخارج مقبولة لكل الأطراف لبلوغ السلام في اليمن، مخارج لا تستثني أحداً، لكنها تحقق الاستقرار الداخلي والإقليمي، وكان هاجس السعودية ينطلق دائماً من ذلك الفكر الاستباقي في رد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي على سؤال من الإعلامي السعودي عبدالله المديفر على القناة السعودية، من أنه على رغم علاقة الحوثي القوية بإيران، فإنه لا يزال يراهن على نزعته العروبية واليمنية، ومراعاة مصالح اليمن قبل غيرها.

وهذا بتقديري محتوى المسعى السعودي في اتصالاته مع الحوثيين. فهل يحمل لنا قادم الأيام بشائر تحول إيجابي، أم أننا على موعد مع جولات عنف جديدة، دافعها أضغاث أحلام حوثية لن تتحقق، لكنها ستزيد من تقتيل اليمنيين، ودمار وطنهم، وشتاتهم في الأرض؟


المصدر: اندبندنت عربي